Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

قياس ثراء الأمم

كيف نقيس ثراء بلدٍ ما؟ سيُقال بالناتج المحلي القومي، واحتياطات البنك المركزي، ولكن هل هذا القياس صحيح ودقيق، أم أن هناك خيارًا أفضل لقياس ثراء البلدان؟

A A
كيف نقيس ثراء بلدٍ ما؟ سيُقال بالناتج المحلي القومي، واحتياطات البنك المركزي، ولكن هل هذا القياس صحيح ودقيق، أم أن هناك خيارًا أفضل لقياس ثراء البلدان؟ إن الناتج المحلي القومي عُرف بأنه ينظر للخلف، ويُعبِّر عن فترة ماضية، أي يقيس ما تم إنتاجه واستهلاكه في الاقتصاد في هيئة أرقام بالعملة المحلية أو الدولار، وبالتالي يغفل ما يُؤثِّر فعليًّا على جودة الحياة، مثلما يغفل التفاوت بين الأفراد وبين الطبقات، كما لا يأخذ في الاعتبار حجم الطبقة الوسطى، ومعدل البطالة، وما إذا كانت ترتفع أو تنخفص، فالاحتياطات البنكية هي أرقام في الحاسوب، ولا تُعمِّر الأرض، ولا تجلب ثراءً، لأنها قيد محاسبي يُوضِّح ما عليك وما لك، وهذا ليس ثراءً، وإنما سند لقياس معاملات تجارية بين دول تمت ومضت، وهي تُغيِّب الحاضر والمستقبل، وتترك الأوضاع للتكهنات وتأويل الأرقام.
والشيء بالشيء يُذكر، في زيارة وزير الاقتصاد السنغافوري والوفد المرافق لغرفة جدة، تقدّم معاليه منِّي، وعبّر عن إعجابه بما أكتبُ في الشأن الاقتصادي، ودار حديث أشار فيه للجيل الجديد في سنغافورة الديمقراطية، وأنه في ظل التطوّر الاجتماعي والاقتصادي يريد هذا الجيل التمتع بمدّخرات الدولة، وليعيش حياة أكثر رفاهية من حيث الضرائب، والدعم، وتوفير الخدمات، فعلّقت بأن هذا لا يهم، فكست وجه الضيف سحابة من الاستغراب، فقال لي أكمل ما تريد، فقلت له لديَّ سُؤالان: الأول لإزالة ما أدهشك، فافترض أن خزائن سنغافورة مليئة بما تتخيّل وترغب الأجيال من أموال، وفي مقابل ذلك السعة الإنتاجية لأمّتك لا تزيد ولا تُواكب متطلبات الاقتصاد حاليًّا وفي الغد، فما الذي يحدث في حال استجابت سنغافورة لرغبة الأجيال الجديدة؟ كان الردّ أن الخزائن ستنفد. فسألته: كيف يكون الحال لو كانت خزائن سنغافورة خاوية على عروشها، ولكن في مقابل سعة إنتاجية تتزايد وتنمو وتستجيب لمتطلبات العصر والسوق، فأجاب والابتسامة تعلو محيّاه بأنها ستزيد، ممّا يعني أن قياس الثراء تحكمه السعة الإنتاجية المواكبة لعوامل أخرى متداخلة.
هذا يستدعي الإلمام بالصورة الكلية للاقتصاد، ولوسائل قياس القيمة، لأننا لا نعرف كيف نضع معايير لقياس ما يُنتج داخل الاقتصاد، ولهذا الأمر صلة بنوع الوظائف، وقياس القيمة التي تُضيف للاقتصاد ولحياة الإنسان، ولذلك من المفارقات في كثير من المجتمعات أن الوظائف التي تُضاعف الأرباح المالية ترفع أجرها، بينما تُقلَّل من قيمة الوظائف التي تُحسِّن حياة الإنسان، كالتمريض، والرعاية الصحية، ووظائف التعليم. ومهما يكن، فإن أجيال المستقبل ستدرس تاريخ التجربة الأيدولوجية الليبرالية الفاشلة منذ الحرب العالمية الثانية، وإلى يومنا هذا، وستُعيد ترتيب قِيَم المنتجات، وسترفع من قيمة الوظائف التي تُضيف قيمة للإنسان، وستقيّمها وستُصوِّب بدقة معايير قياس ثراء أمتها.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store