على مدى سنوات طويلة عشتُها في السعودية، لم تكن هناك عبارةٌ تتردد فيها، في وسائل الإعلام، أكثر من عبارة «نعمة الأمن والرخاء». لكن الناس في واقع الحياة كانوا يعيشون هذه النعمة إلى درجة ربما خف الشعورُ فيها بقيمتها الحقيقية في أعماقهم. وربما كان هذا إحدى مآسي الحياة البشرية. حين يفقد الإنسان شعوره بقيمة ما (يملك)، في نفس اللحظة التي يشعر فيها بأنه وصل إلى قمة (الامتلاك).
لهذا. كان كثيرٌ من أهل المملكة حين يسمعون هذه العبارة، يعتبرونها لازمةً إعلامية أكثر من أي شيء آخر. ربما كان هذا هو الوضع حتى جاء الإرهابُ الأسود وأحداثه، التي عادت لتذكّر الناس بالقيمة الحقيقية لنعمة الأمن والاستقرار والرخاء.
نضجت المملكة في حقبة التعايش مع الإرهاب. وعاد الشعور بين أفراد الشعب والمقيمين في المملكة بمعنى الحياة في إطارٍ من الأمن والاستقرار. لكن هذا أفرز، يومها، سؤالاً على شكل تحدٍ واجَهَ المملكة شعباً وحكومة: ماهي المصادر الحقيقية لبقاء نعمة الأمن والاستقرار والرخاء في الحاضر والمستقبل؟ تعاملت السعودية مع الوضع يومها بشكلٍ تجاوزت معه الأزمة، وهاهو السؤالُ يعودُ اليوم ليفرض نفسه من جديد.
ثمة عوامل داخلية كثيرة تلعب دوراً في الموضوع، لكن السياسة الخارجية عنصرٌ حساسٌ وخطير فيه. يصدقُ هذا تحديداً في منطقتنا، وفي ظروفها الراهنة. حيث تبدو زعزعة الأمن والاستقرار وسيلةً للتلاعب بمستقبل شعوب المنطقة وخرائطها ومُجمل أوضاعها، لتحقيق مطامع اقتصادية وسياسية، واستجابةً لأحلام وأوهام امبراطورية سياسية وأيديولوجية، خاصةً حين يتعلق الأمر بالدورين الروسي والإيراني.
من هنا، تنبعُ أهمية الحديث عن دور المملكة الأساسي في إفشال المخططات المتعلقة بتلك المطامع والأوهام، وذلك من خلال سياسةٍ خارجية ثابتة تَعرفُ المشكلة بشكلٍ محدد، وتُصر على تعريفها بوضوح.
نقول هذا في معرض التعليق على (استغراب) البعض من الجدية والإصرار في (ثبات) الموقف السعودي فيما يتعلق بالأزمة السورية، رغم كل المناورات والتصريحات والضغوط والألاعيب السياسية الإقليمية والدولية.
ولئن كانت المملكة تتعامل بمرونة وحكمة مع حساسيات وتعقيدات الموقف في المنطقة.. إلا أن هذا لايتضاربُ مع تركيزها على الحديث الدائم عن مكمن الداء، وعن طبيعة الدواء.
لهذا، لم يكن غريباً أن يرفض وزير الخارجية عادل الجبير، الأسبوع الماضي أثناء حديثه مع الصحفيين على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة (تركيبة) المبادرة الروسية الداعمة لنظام بشار الأسد، والتي تتمحور حول قيام تحالف دولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية حصراً. ففي تصريحات واضحة وشفافة قال إنه «لا مستقبل للأسد في سوريا»، مضيفاً أن «هناك خيارين أمامه يتمثل الأول في عمليةٍ سياسية يتم من خلالها تشكيل مجلس انتقالي ورحيل الأسد، والآخر عسكري ينتهي أيضاً برحيله». ولكي لايسمح بخلط الأوراق، أعاد التذكير بأن الرياض تدعم قوى «المعارضة المعتدلة»، التي تقاتل جيش النظام السوري وإرهابيي تنظيم الدولة الإسلامية.
فوق هذا، طالب مندوب السعودية في الأمم المتحدة، عبدالله المعلمي، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بوقف الغارات الروسية التي استهدفت مواقع مدنية سورية في ريفي حمص وحماة، وأدت إلى مقتل 36 مدنياً، بينهم أطفال ونساء في سوريا، معرباً عن قلق الرياض من العمليات الروسية في سوريا.
لاتجد السعودية حاجةً للمداورة حين يتعلق الأمرُ بتشخيص أساس المشكلة التي تُسبب الفوضى في المنطقة. فهذا يُفاقمُ المشكلة ولايحلها. والتعامل مع الظاهرة بجدية وحزم هو الذي سيُعيد كل معاني الأمن والاستقرار، تماماً كما حصلَ سابقاً. وثمة حاجةٌ دائمة لأن يكون المجتمع مُنسجماً مع هذه الرؤية الاستراتيجية، وأن يُدركَ مُستتبعاتها، ويكون له دورهُ في تحقيق أهدافها، أيضاً كما حصلَ في الماضي القريب.
الأمن.. والسياسة الخارجية
تاريخ النشر: 04 أكتوبر 2015 02:08 KSA
على مدى سنوات طويلة عشتُها في السعودية، لم تكن هناك عبارةٌ تتردد فيها، في وسائل الإعلام، أكثر من عبارة «نعمة الأمن والرخاء».
A A


