* تمرُّ في هذه الشهور ذكرى رحيل الإنسان والمفكر والمسؤول الدكتور محمد عبده يماني والذي عرفته منذ قدومي إلى مكة المكرمة دارسًا مع مطلع التسعينيات الهجرية، وكان في بدايات مسؤوليته عن إدارة جامعة الملك عبدالعزيز، وكانت كليَّتا الشريعة قد أضحتا تابعتين إداريًا للجامعة في جدة، وقد استمعت إليه آنذاك وهو يتحدث في جمع من طلاب الكليَّتين، وأزعم أنه واحد من الذين يملكون ناصية الحديث والقدرة على جذب انتباه المستمعين، فأنت تحسُّ أن صوته ينبعث من أعماق نفسه، ليستقر في نفوس وعقول سامعيه، ويتفاعلوا معه إيجابيًا وخصوصًا فيما يتعلق بحياة الطلاب وهمومهم، وقد قدِم بعضهم من مُهاجر ومثوى سيد الخلق صلى الله عليه وسلم وموئل العلم والإيمان، وآخرون من مدينة الطائف وما حولها، حيث أُنشِد الشعرُ وتلقَّاه طريًا الرواة والحُداة.
*وكان خريجو المؤسسة التعليمية المعروفة -هناك- دار التوحيد يشكّلون نسبة عالية من الدارسين خصوصًا في قسم اللغة العربية وآدابها.. نعم لقد كان معظم أولئك الدارسين لبعدهم عن أهلهم وعشائرهم وذويهم يحسون بشيء من الغربة، وعليهم أن يوفقوا بين مطالب الحياة أو قل تكاليفها التي أنشد الشاعرالجاهلي زهير بن أبي سلمى شاكيًا من تكاليفها بعد أن بلغت به السنون مبلغها، وبين ما قدموا إليها سعيًا لطلب العلم وبحثًا عن المعرفة في مظانها.
* وكان أبو ياسر بما وهبه الله من القبول وسعة الصدر وطلاوة الحديث يخفف عنهم آلام الغربة ويوصي المسؤولين بالإسراع في إنجاز مطالبهم وقضاء حوائجهم، وإذا ما اختُتِم ذلك اللقاء أو المشهد الجامع، انصرف الطلاب وقد أدخل المسرة -رحمه الله- على نفوسهم وبعث فيهم الأمل لمستقبل واعد ومشرق.
وفي هذا يكمن شيء من ملامح شخصيته التي أجد لها مثيلًا في سيرة ومناقب رجال طبعوا على الإحسان وتألَّفوا القلوب ببذل الجاه حتى وإن كان ذلك يأتي أحيانًا على حساب أوقاتهم وحياتهم الخاصة التي ملؤوها بالطاعات وانتحوا بها بعيدًا عن الصغائر والكدورات.
* فلقد عرفت عن قرب ودراية الرجل المفضال الوالد الشيخ عبدالله بصنوي الذي كان يقطع المسافات ليشفع في قضاء دين وإطلاق سجين، وفك رقبة.
ولقد كان أبو ياسر سخيًا بجاهه، كريمًا بشفاعته بحثًا عن الأجر والثواب من رب العباد.
*كان أبو ياسر حريصًا على أن يتصرف على سجيته فهو إذا قدم إلى مكة إبان مسؤوليته عن إدارة الجامعة ذهب إلى حانوت والده في حي المسفلة كما كان يفعل في زمن الطلعة بالبلد الحرام، وتختزن الذاكرة مشهدًا مؤثرًا وله دلالاته الشيء الكثير، فلقد كانت رابطة العالم الإسلامي على عهد أمينها العام الشيخ صالح قزاز والذي خلف فيه أمينها الأول الرجل النبيل الأديب الشيخ محمد سرور الصبان -رحمهما الله- تعقد في أشهر الحج موسمًا علميًا تحاضر فيه شخصيات مكية وأخرى عربية ومسلمة من علماء ومفكرين ومثقفين، فدخل الدكتور من باب مبنى الرابطة الذي كان يقوم في حي المعابدة المعروف، وكان يمشي هادئًا ومطمئنًا خلف رجل وقور مضيء القسمات ونحيل الجسم فأخبرني أحدهم - بينما كنا نتهيأ لسماع محاضرة يلقيها الشيخ والفقيه المالكي المعروف محمد المنتصر الكتاني -رحمه الله- إذا بذلك الرفيق يخبرني بأن ذلك الشخص الذي كان الدكتور عبده لا يتقدمه في السير هو والده رحمه الله، وإذا كان الأستاذ الأديب الكبير عزيز ضياء يذكر في مقالة رثائية له بأن وراء بلوغ الشيخ الصبان تلك المنزلة التي فاق فيها الأنداد حتى لم يكن حديث الناس في مجالسهم إلا عن مآثره الحميدة ومناقبه المتفردة، أن وراء ذلك وسواه من المآثر هو انكبابة على أقدام والدته طالبًا رضاءها ومتوسلًا بدعائها ومتفانيًا في الوقت نفسه في خدمتها، كما أتذكَّر أن أستاذنا أحمد جمال -رحمه الله - كتب مقالًا بعد رحيل الأستاذ عبدالله عريف مشيرًا فيه إلى أن الأستاذ العريف كان بارًا بوالده ولم يكن ليستنكف في اصطحابه إلى مجالس الصفوة من الشخصيات التي عايشها في البلد الحرام وكذلك كان يفعل أستاذنا الدكتور محمود سفر، مع والده الشيخ محمد سفر -أحد وجهاء البلد الحرام-، وعلى ذلك النسق المبارك كان سلوك الصديق الدكتور عبدالعزيز خوجه، فكان إذا صلى صلاة المغرب في صحن المسجد الحرام حيث تنزل الرحمات وتُحط الأوزار ويتعانق ويتلاقى عالما الغيب والشهادة، حيث الجلال والجمال والبهاء، وحيث تذرف الدموع وتخفق القلوب خوفا من الله وطمعًا في رحمته ونواله، توجَّه عزيزنا الخوجة إلى حانوت والده في حي القرارة والذي كان -كما تسعفني الذاكرة- قريبًا من دار آل الهرساني ودار شخصية مكية أخرى وهو الشيخ محمد نور بتساوي.. ولعل ما بلغه الإنسان والمثقف والدكتور الخوجة من القبول والحظوة والمودة بين الناس هو صلته لرحمه وبذله كرفيق دربه الدكتور عبده لجاهه، والحال عنده سيان وهو يقتعد كرسي الوزارة وبعد أن رحل عنها، والناس ألسنة تدعو له بالخير وتذكره بالإحسان، وأزعم أنني أعرف عن مآثر الإنسان الخوجة الكثير ولكنني ألوذ بالصمت لمعرفتي بأنه يفضل بقاء أعماله الطيبة تلك بينه وبين الخالق المطلع وحده على أسرار القلوب.. وهو في هذا يتماثل مع معالي الوالد السيد أحمد زكي يماني الذي يصنع المعروف ويبذل من الفضل والإحسان الكثير دون أن تشهد على قسمات وجهه مَنًّا ولا ضجرًا ولا يتطلع -رعاه الله- إلى شهرة، وقد أحسن يومًا إلى البعض وعطف عليهم محتسبًا فجحدوا فلم أسمعه في مجلسه يذكرهم بسوء ولا يرضى لأحد أن ينال منهم، وأن ذلك لعمري غاية السمو والترفع عن الانتصار للذات والتعالي عن المعاملة بالمثل وشتان بين يد تبذل وتعطي وأخرى تجحد..
* ولعلي في هذه الكلمات المتواضعة عن حياة هذا الرائد -أعني الدكتور عبده- أشير إلى حقيقة هامة وهو أنه بحسِّ المعلم وموهبة المفكر الذي يستشرف آفاق المستقبل، كان من أوائل من تنبَّه إلى ضرورة التمعن في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمليئة بمشاهد وصور العفو والحب والتسامح والرقة، كما تدلل عليه سلوكياته التي صاغها المولى عز وجل في ذاته متناسبة مع مقام النبوة والرسالة الخاتمة، وحيث نجد شواهد لها في مواقف عدة ومن بينها يوم فتح مكة عندما خاطب بني قومه وعشيرته قائلًا: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» وعندما طلب بعض صحابته أن يدعو على ثقيف فكان جوابه الملهم (اللهم اهدِ ثقيفًا) وفي رواية أخرى (بل استأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئا) .. نعم لقد استشرف المفكر محمد عبده يماني بحسه الفطري أن الحب والنقاء والانتصار على الذات هو ما تحتاجه المجتمعات المسلمة وليس الجفاء والعنف والتشدد وكره الآخر لمجرد الاختلاف معه وسوء الظن بعقائد الآخرين والتفتيش في حياتهم بحثًا عن الثغرات وتعلقًا بالصغائر وسعيًا للتصنيف ..كل ذلك هو ما جر على الأمة من الويلات والنكبات ماهي في غنى عنه، بل أن هذه السلوكيات المتشددة هي التي شجعت الغرب على التكالب على الأمة كما أخبرنا الحبيب صلى الله عليه وسلم بما أطلعه الله عليه من الغيب.
فجزى الله أبا ياسر وعبدالله وإخوتهم في آخرته من المثوبة والمغفرة كفاء ما قدَّم لأمته ومجتمعه وجزاء ما سارت منه الأقدام سعيًا في قضاء حاجات العباد الذين تنكرهم عوالم الشهود وتعرفهم عوالم الغيب، حيث كان -رحمه الله- آخذًا بالأثر المعروف «وهل تنصرون إلَّا بضعفائكم»، وأن قضاء حاجات العباد هو من أعلى المراتب التي حثت عليها مقاصد الشريعة وتكاد تكون مما تفرَّد به الدين الإسلامي عما سواه من الديانات الأخرى، لأنه الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لعباده ووعدهم بشفاعة نبيه صلى الله عليه وسلم يوم يلقونه طامعين في كرمه ورحمته وعفوه.
المعلم.. محمد عبده يماني.. حتى لا ننساك في زحمة الحياة !!
تاريخ النشر: 04 نوفمبر 2015 00:06 KSA

* تمرُّ في هذه الشهور ذكرى رحيل الإنسان والمفكر والمسؤول الدكتور محمد عبده يماني والذي عرفته منذ قدومي إلى مكة المكرمة دارسًا مع مطلع التسعينيات الهجرية، وكان في بدايات مسؤوليته عن إدارة جامعة الملك ع
A A


