Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

«فرات وبهلوان» يمزقان خرائط مؤتمر كبار الجواسيس

قبل أسبوع واحد وأثناء اجتماع كبار جواسيس العالم بالولايات المتحدة، قال رئيس الاستخبارات الفرنسية: إن الشرق الأوسط الذي كنا نعرفه، قد خرج ولن يعود، وأشار باجوليه رئيس المخابرات الفرنسية في الندوة التي

A A
قبل أسبوع واحد وأثناء اجتماع كبار جواسيس العالم بالولايات المتحدة، قال رئيس الاستخبارات الفرنسية: إن الشرق الأوسط الذي كنا نعرفه، قد خرج ولن يعود، وأشار باجوليه رئيس المخابرات الفرنسية في الندوة التي عقدت تحت عنوان: «مهمة أجهزة الاستخبارات في القرن الحادي والعشرين إلى أن أياً من سوريا أو العراق لن تعود إلى حدودها التي عرفناها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. أما برينان رئيس المخابرات الامريكية، فقال إن ما يجري في دول عديدة بالمنطقة، لا يمكن التعاطي معه بالطرق العسكرية.
ما قاله باجوليه وبرينان في اجتماعات تحضيرية، ستنتهي غالباً بتمزيق خرائط سايكس- بيكو، وإنجاز تفاهمات حول خرائط جديدة للإقليم، رد عليه أمس تحت قبة المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، كل من العراقي فرات قدوري، والسوري صفوان بهلوان، مؤكدين لحشود هائلة حضرت بالمسرح الكبير، أن العراق واحد مهما تعددت فيه الطوائف، بل هو واحد بسبب تنوعه الرائع بين سنة وشيعة وأكراد وتركمان وآشوريين وصابئة، وأن سوريا الواحدة ستعود حتماً، لأن ما يُوحِّدها أكبر بكثير من مخططات التمزيق، وأبقى بالتأكيد من خرائط كبار الجواسيس.
تحت قبة المسرح بدار الأوبرا المصرية، التأمت قمة للموسيقى العربية الأصيلة، على بعد أمتار فقط، من مقر جامعة الدول العربية الذي استضاف العديد من مؤتمرات القمة العربية، بقيت إرادتها حبيسة الصدور في بعض الأحيان، وقراراتها حبيسة الأدراج في أغلب الأحيان.
بيانات قمة الموسيقى والغناء العربي الأصيل، المنعقدة تحت قبة دار الأوبرا المصرية، أعلنها أول أمس، كل من الموسيقار العراقي فرات قدوري، والمغني السوري صفوان بهلوان.. هل جمعتهما محض صدفة، في ذات الليلة، تحت ذات القبة، ليعلنا لجمهور غفير، وللأمة كلها، أن العراق واحد، وأن سوريا عائدة؟!.. ربما، وإن كنت أظن أن د. إيناس عبدالدائم رئيسة الأوبرا التي استضافت قمة الوجدان العربي، قد عمدت إلى تكثيف الحضور الفني العراقي السوري في تلك الليلة، رافعة شعار فيروز والرحبانية: (لم لا أحيا.. وظل الورد يحيا في الشفاه.. سوف أحيا.. سوف أحيا).
فرقة واحدة تضم ستة من العازفين، بينهم خمسة يعزفون على آلات غربية، أما قائدهم فعربي الهوى شرقي السمات، يعزف ببراعة على آلة القانون، التي تباهي بشرقيتها القحة، اسم قائد الفرقة «فرات» وكان عزفه فراتاً بحق، وقد اختار لفرقته التي مزجت موسيقاها بين سحر الشرق، وواقعية الغرب اسم (العراق)، وكأنما أراد فرات قدوري وفرقته أن يقولوا بموسيقاهم للعالم أن العراق الذي جمع الشرق والغرب في موسيقى شبابه، قادر على أن يُعيد لملمة شتاته، حيث لا تمييز داخل فريق العزف بين شيعي وسني، ولا بين كردي وعربي، ولا بين ذكر وأنثى.
رئيس الاستخبارات الفرنسية قال: إن العراق الذي عرفه العالم منذ عشرينيات القرن الماضي، بات جزءاً من الماضي ولن يعود، وردّ عليه فرات قدوري جنرال الموسيقى العراقية، بأن العراق واحد، وبأنه باق وعائد، فيما قالت قاعة المسرح الكبير، بجمهورها شديد التنوع، لدى احتفائه بأداء الفرقة العراقية، أن العروبة هي حاضنة العراق، وهي درقته العصية على الانكسار.. احفظوا اسم «فرات قدوري»، فقد يُقيِّض الله للعراق مُؤرِّخاً منصفاً، يروي للأجيال القادمة، بعد عقود من الآن، كيف استطاع هذا الفتى، بموسيقاه العذبة، أن يُجسِّد عراقاً واحداً، فشل كل ساسة العراق في تجسيده، وكيف تمكنت فتاة عراقية في فرقته من دمج الناي الشرقي والساكسفون الغربي، بتناغم يقطع بقدرة العرب والعراقيين على الإمساك بتلابيب العصر، دون تفريط في الهوية العربية الأصيلة.
أما رئيس وفد سوريا في قمة الغناء العربي، صفوان بهلوان، فقد جمع القدود الحلبية، بموسيقى عبدالوهاب وغناء أم كلثوم، مستدعياً، ماض قريب، كان جميع عرب سايكس بيكو، يجتمعون فيه في الخميس الأول من كل شهر، لينصتوا إلى بيان تقرأه (الست)، ويتجاوب معه الوجدان العربي من المحيط إلى الخليج.
في طفولتي، كانت تلهب خيالي الصغير، حكايات الطفولة، وفيها قصة الشاب عازف الناي، الذي استطاع تخليص قريته من الأفاعي، بعدما استدرجها بموسيقاه، لتسير خلفه إلى منطقة نائية خارج القرية، وفي شرخ الشباب كانت ومازالت تمنحني الأمل، قصة ايزيس وأوزوريس في الميثولوجيا الفرعونية، حين قامت إيزيس بجمع أشلاء زوجها أوزوريس الذي قتله إله الشر ست. لتُعيده مُجدَّداً إلى الحياة.
عازف الناي الشاب الذي خلّص قريته من الأفاعي القاتلة، وإيزيس التي جمعت أشلاء أوزوريس وأعادته إلى الحياة، كلاهما رأيتهما الليلة قبل الماضية، في الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية الذي تنظمه دار الأوبرا المصرية كل عام.
ليتهم يعهدون إلى دار الأوبرا بتنظيم القمم العربية، فبوسعها على الأقل توحيد الوجدان العربي، الذي تُمزّقه الطائفية، والهواجس والظنون.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store