في ثمانينيات القرن الماضي وأثناء زيارة قمت بها لأحد مصانع أجهزة التيكرز في الهند، لاحظت وقتها أن موديل جهاز التيكر الذي حمل عبارة (للتصدير إلى الكويت) يعود إلى الخمسينيات، فيما تم تصنيعه بالثمانينيات، سألت مدير المصنع لماذا يقبل عملاؤكم شراء موديلات عتيقة، فأجابني ببساطة: يجب أن تلاحظ أن بضاعتنا «غير منحازة».. في إشارة إلى كون كل من الهند والكويت عضوتين بحركة عدم الانحياز التي تأسَّست أواخر الخمسينيات، ودخلت طور الاحتضار في مطلع الثمانينيات.
كانت هند نهرو التي أسّست حركة عدم الانحياز، مع مصر جمال عبدالناصر، ويوغوسلافيا جوزيف بروز تيتو، تُغلِّف منتجاتها المتواضعة آنذاك، بأغلفة «عدم الانحياز»، أما يوغوسلافيا التي احتفظ حزبها الشيوعي الحاكم بصيغة خاصة لتطبيق الماركسية، فقد استخدمت «عدم الانحياز» كمفتاح سحري لفتح الأسواق الإفريقية البكر أمام تُجَّار وصناعيين يوغوسلاف تحوّلوا مع الوقت إلى مليارديرات في القارة السوداء، بينما اقتصرت مكاسب مصر من مشاركتها في قيادة الحركة، على الدعم السياسي والمعنوي الذي قدّمته حركة عدم الانحياز لقضايا التحرُّر الوطني في العالم العربي (الجزائر وفلسطين واليمن الجنوبي بصفة خاصة)، وبدا واضحًا في تقييم لاحق للتجربة، أن مصر التي تعاملت مع فكرة عدم الانحياز برومانسية وبراءة لا تليق بعالم السياسة، لم تُحقِّق أرباحًا مباشرة تعود على مواطنيها بالرفاه، جراء تبنِّيها نهج عدم الانحياز، الذي استفز واشنطن بشدة حين اعتبر وزير خارجيتها الفولاذي جون فوستر دالاس أن «عدم الانحياز موقف غير أخلاقي»، أي إما أن تكون معنا أو سنعتبرك ضدنا!!
استدعت ذاكرتي، تلك المشاهد وأنا أتابع وقائع القمة العربية - الأمريكية الجنوبية الرابعة بالرياض، فالقواسم المشتركة بين الدول العربية ودول أمريكا اللاتينية (الجنوبية) تقترب كثيرًا من قواسم جمعت دول مجموعة عدم الانحياز، وطبيعة التزام مجموعة الدول العربية - الأمريكية تجاه قضايا كل منها تبدو أيضًا متشابهة، غير أن ثمة بيئة دولية حاضنة للمشهد العربي - اللاتيني قد تغيَّرت، فالبيئة الدولية الراهنة تتحرَّك بدأبٍ صاخب، باتجاه عالم مُتعدِّد الأقطاب، خلافًا لعالم القطبية الثنائية الذي هيمن على سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، واستمر حتى انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات.
في العالم مُتعدِّد الأقطاب، تتراجع احتمالات الاستقطابات الحادة، فيما تتسع قمة العالم لبضع دول تتباين عندها الرؤى والاهتمامات والتحالفات، وقد رأينا قبل أيَّام من قمة الرياض العربية - اللاتينية، قمة أخرى (هندية - إفريقية) استضافتها نيودلهي، هدفها تدشين حقبة جديدة تنفتح فيها الأسواق الإفريقية أمام المنتجات الهندية، التي لم تعد بحاجة إلى أغلفة عدم الانحياز، وإن استفادت منها بالطبع.
على مر التاريخ الإنساني، أشعلت التجارة نيران حروب كثيرة، كما أضاءت مشاعل حضارات أيضًا، حتى قال المؤرخون إبان عصر النهضة الأوروبية: إن «زيت التجارة أشعل مصباح الحضارة»، وبتطوّر العلاقات الدولية حلّت الاتفاقات والأطر الجماعية التجارية كمناطق التجارة الحرة مثلاً، محل تحالفات عسكرية كانت تستهدف في الماضي السيطرة على مناطق المواد الأولية، وفتح أسواق جديدة بحد السيف.
تبادل المنافع هو إذن غاية أي تجمُّع دولي، بعض تلك المنافع يمكن وصفها بأنها مباشرة، مثل تلك التي تظهر في البيانات الختامية لتلك القمم والتجمُّعات، حيث تبدي الدول الموقعة تأييداً لقضايا تعني بعض الأطراف المشاركة، مثل صيغة التأييد للقضية الفلسطينية، أو للتسوية السياسية في كل من سوريا واليمن، أو شجب التدخلات الإيرانية في شؤون الجوار، كل تلك الصيغ، تُمثِّل مكاسب مباشرة وفورية، للمعنيين بها، أما المكاسب غير المباشرة، وهي الأكبر والأكثر استدامة بالمناسبة، فتتعلق بتنمية وتنشيط حركة التجارة البينية بين المجموعتين العربية واللاتينية، وتطوير التعاون في مجالات الطاقة والتصنيع والتعليم وهكذا.
تعزيز العلاقات العربية - اللاتينية، يعوق خطط إيران وإسرائيل لتطوير روابط خاصة مع دول أمريكا اللاتينية على حساب القضايا العربية في سوريا واليمن وفلسطين وليبيا، ما قد يُسهم بدوره في تعزيز مناعة النظام الإقليمي العربي في مواجهة تحديات تُهدِّد صميم وجوده، لكن استدامة تلك المصالح تقتضي صيانتها، بضمان تعزيز الروابط التجارية والمنافع المتبادلة، فالاعتماد المتبادل هو ما يسمح ببناء تحالفات أصلب عودًا وأطول عمرًا.
أفكار على هامش القمة العربية - اللاتينية
تاريخ النشر: 13 نوفمبر 2015 01:12 KSA
في ثمانينيات القرن الماضي وأثناء زيارة قمت بها لأحد مصانع أجهزة التيكرز في الهند، لاحظت وقتها أن موديل جهاز التيكر الذي حمل عبارة (للتصدير إلى الكويت) يعود إلى الخمسينيات، فيما تم تصنيعه بالثمانينيات،
A A


