ناحتْ عليكَ حمائمٌ ويـمامُ لـمّا رَمَتْكَ إلى الـمآلِ سهامُ
ليت الذي بالنّعْيِ حدَّثَ كاذباً لتُقامَ في تأديبهِ الأحكامُ
لكنما ذرفَتْ عيونٌ وأكتَوَتْ مُـهَـجٌ وغادَرَ للرَّحيمِ هِشامُ
جمعتني ومعالي الأستاذ هشام ناظر أشياء كثيرة، منها الشعر والفكر والنفط. فقد كان وزيرنا ورئيس مجلس إدارة المؤسسة العامة للبترول والمعادن (بترومين) حين استلم حقيبة وزارة البترول والثروة المعدنية في العام ١٩٨٦م، ثم أصبح رئيس مجلس إدارة الشركة السعودية للتسويق والتكرير (سمارك) بعد تكوينها. ولكن بداية معرفتي به كانت تصادمية في الرأي والفكر وأساليب الوصول للحلول، من قبل ذلك بسنوات ومنذ أول لحظة قابلته فيها.
المرة الأولى عندما كان نائباً لرئيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع (كان الرئيس هو الملك فهد رحمه الله) وجاء معاليه لزيارة ينبع لمتابعة الأعمال الأولى للهيئة، وكنت حينها قد كلفتُ بالتنسيق والمتابعة بين مشروعات بترومين وأرامكو وموبيل مع الهيئة الملكية. كانت أولوياتنا حينها ضرورة إنجاز الهيئة للميناء المؤقت لاستقبال أنابيب مشروع «خط أنابيب الزيت الخام من الشرق للغرب « (بترولاين) لكيلا يتأخر المشروع، بالإضافة إلى سرعة تأمين مرافق الماء والكهرباء والسكن لموظفي مشروعاتنا الأخرى. فالتقيت معاليه على منصة الميناء المؤقت أول مرة. أما المرة الثانية فكانت بعد أن أصبح وزيراً للبترول ورئيساً لمجلس إدارة بترومين وسمارك. فاجأني رئيسي المباشر ذات يوم عمل بأن أصاحبه لمقابلة معالي الوزير، وكنت يومها نائباً للرئيس لمدينة رابغ الصناعية ونائباً للرئيس للقوى العاملة (بالإنابة). وكان ذلك بعد اجتماع عاصف لمعاليه مع الرئيس ونوابه حيث خرج من الاجتماع كثيرون يخافون على مستقبلهم؛ فالتقيت معاليه للمرة الثانية. ثم أصبح يستدعيني بمفردي.
كان الأستاذ هشام ناظر صاحب رؤية واستشراف، وثقافة شاملة. وكان صاحب فكر واضح، يشجع الانفتاح والحوار والمصارحة، ولا يمنع الصغير أو الكبير من التعبير عن الرأي. بل ينساق إلى الرأي الصحيح مهما كان قائله. وأعترف أنني كنت أنتهز سماحة هذا الخلق الكريم لأعبر عن رؤيتي المخالفة له أحياناً. فلا يحجر على رأيي حتى وإن كان معارضاً لأفكاره وتوجهاته. وأعُدُّه من الذين يؤمنون حقاً بتطبيق مقولة أن «الاختلاف لا يفسد للود قضية».
لقد فقدت المملكة بوفاته رجلاً فارعاً من رجالاتها: فقد كان أول وزير للتخطيط بالمملكة ففي عهده ابتدأت الخطط الخمسية. وكان نائباً للملك فهد في الهيئة الملكية. وكان أول محافظ للمملكة في منظمة (أوبك). ثم أصبح وزيراً للبترول والثروة المعدنية في فترة زمنية صعبة. ثم ختم مشواره في خدمة وطنه سفيراً في مصر.
لقد حرص معاليه ــ رحمه الله ــ في أواخر شعبان الماضي على دعوة أصدقائه الذين يحضرون مجلسه الأسبوعي (المقعد) لحفل عشاء (شعبنة) في منزله، قبل مغادرته في رحلته العلاجية الأخيرة لأمريكا. وكأنني أراه اليوم كان لقاءً للوداع. فلم نره من بعده. رحم الله أبا لؤي وأسكنه فسيح جناته. إنا لله وإنا إليه راجعون.
هشام محيي الدين ناظر
تاريخ النشر: 17 نوفمبر 2015 00:47 KSA
ناحتْ عليكَ حمائمٌ ويـمامُ لـمّا رَمَتْكَ إلى الـمآلِ سهامُ
ليت الذي بالنّعْيِ حدَّثَ كاذباً لتُقامَ في تأديبهِ الأحكامُ
A A


