Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

عبدالمقصود خوجة.. الرّائد الذي حمل راية التثقيف والتنوير

No Image

* تُطرح بين الحين والآخر فكرة تكريم الأستاذ الأديب عبدالمقصود خوجة، نظير ما قدّمه للساحة الأدبية من جهد فكري وأدبي، من خلال إثنينيته، التي مضى على تأسيسها ما يقرب من الثلاثين عامًا، ولكن سرعان ما يتوا

A A
* تُطرح بين الحين والآخر فكرة تكريم الأستاذ الأديب عبدالمقصود خوجة، نظير ما قدّمه للساحة الأدبية من جهد فكري وأدبي، من خلال إثنينيته، التي مضى على تأسيسها ما يقرب من الثلاثين عامًا، ولكن سرعان ما يتوارى ذلك الخبر، أو يُسدل عليه ستار النّسيان. وأعلم يقينًا أنّ الأستاذ الخوجة لا يتطلّع إلى مثل هذه الخطوة الحضارية، التي تدلّل على الوفاء، الذي فُطرت عليه النّفس البشرية، ودعت إلى تحقّقه مكارم الأخلاق، والتي تُمثّل جزءًا مهمًا في تراثنا العربي والإسلامي الغنيِّ بالأمثلة والشواهد على ذلك، وفي مقدّمتها سلوكيات سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فهذه كتب السّيرة المعتمدة تتحدّث عن عفو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عن أسرى يوم حنين إكرامًا لأخته من الرّضاعة «الشّيماء»، حيث قال مخاطبًا إيّاها بما فيه من التشريع لأمّته: أنت أختي، ثم بسط صلّى الله عليه وسلّم رداءه إكرامًا لها، وأداءً لحقِّ صلة القربى وما كانت تقوم به من صنيع نحوه صلّى الله عليه وسلّم إبان طفولته رضيعًا في بني سعد، وتحفل كتب السّيرة والتّاريخ بهذه الأمثلة العظيمة التي تدلّل على أنّ مقاصد الشريعة الغرّاء تصبّ جميعها في هذا المطلب الإنساني.
* عبدالمقصود خوجة سليل أسرة علم وأدب؛ فوالده هو الأستاذ محمّد سعيد عبدالمقصود خوجة (1324 - 1360هـ)، والذي رأس تحرير صحيفة أمّ القرى الرسمية ما بين 1350هـ - 1355هـ، وكتب فيها آنذاك الجيل الجديد إبداعاته شعرًا ونثرًا.
وفي سنة 1355هـ قام هذا الرّائد وزميله الأستاذ عبدالله بلخير بإعداد أوّل بيان جماعي لأدباء هذه البلاد، أعني «وحي الصّحراء»، والذي كتب مقدّمته الأديب المصري المعروف محمّد حسنين هيكل، وقد ورث الأستاذ عبدالمقصود تلك النّزعة العلمية والأدبية من والده -رحمه الله-، ومن حلقات العلم الشّرعي التي كان المسجد الحرام يحفل بها آنذاك، كذلك من مدرسة الفلاح التي تلقى فيها علومه وثقافته، فشارك في بداية حياته في تأسيس المؤسّسة الإعلامية في بلادنا، بتوجيه من صديق والده معالي الأستاذ عبدالله بلخير، عندما تحمّل هذه الأخير مسؤولية وزارة الإعلام في بداية الثمانينيات الهجرية، الستينيات الميلادية، وفي مرحلة صعبة سياسيًا وفكريًا كانت تمر بها المنطقة العربية آنذاك.
* تعرّفت شخصيًّا على هذا الرّائد عند عودتي من دراستي في المملكة المتّحدة البريطانية عام 1407هـ؛ أي قبل ما يقرب من ثلاثين عامًا، حيث اصطحبني معه أستاذنا المهذّب محمّد صلاح الدّين الدندراوي، وهناك رأيت قامات علمية وأدبية كنت أعرف بعضها عن قرب؛ مثل الأساتذة: صالح وأحمد جمال، وعبدالفتّاح أبومدين، والدكتور الأديب عبدالله منّاع، والأستاذ الدكتور عبدالله الغذّامي، وكانت المعركة بين الحداثيين والمحافظين في ذروتها.
* قام الإنسان عبدالمقصود خوجة بتكريم جيل الروّاد من خلال منتداه الأدبي الأكثر شهرة وتأثيرًا، ليس في بلادنا فقط؛ بل يمكن القول -ومن دون محاباة- عربيًّا، كما أخذ في مسيرة هذا المنتدى كذلك تكريم روّاد الثقافة في البلاد العربية الأخرى، رجالاً ونساء، وأتذكّر مدى سعادتي عندما طلب منّي المشاركة قبل سنوات في تكريم الدكتورة سلمى خضراء الجيوسي، مؤلفة العمل النّقدي المشهور عن التيارات والحركات في الأدب العربي الحديث «Trends And Movement In Modern Arabic Poetry»، والذي صدر في جزأين عن مؤسّسة «E. J. Brill» في ليدن «Leiden» سنة 1977م، وبلغ عدد صفحاته (800) صفحة، وكان الكتاب في الأصل رسالة علمية تقدّمت بها الباحثة لمعهد الدّراسات العربية والإفريقية بجامعة لندن والمعروف باسم (SOAS)، وبإشراف من البروفيسور العربي المشهور أستاذنا وليد عرفات -رحمه الله-، والذي انتقل لاحقًا من جامعة لندن ليؤسّس قسم الدّراسات العربية بجامعة «لانكستر»، والتي التحقت بها عام 1980م.
* وأذكر إنّنا كنّا ذات يوم في ثلوثية الأستاذ محمّد سعيد طيّب، فانتحى بي جانبًا الأستاذ عبدالمقصود خوجة في المقصورة المنفصلة عن المجلس الذي يضمّ صفوة من الأدباء والكُتّاب والشخصيات الاجتماعية، ليخبرني بأنّه بصدد الاحتفاء بمئوية الرّائد في الأدب السّعودي المعاصر، الأستاذ حمزة شحاتة، وكوّن لجنة علمية لهذا الغرض، وقد تشرّفت بأن أكون من بينهم، وكان يحضر الجلسات معنا، ولكنه كان يترك لجميع الآراء حقّها في التعبير إزاء هذا الحدث الهام، وتحقّق ذلك؛ فصدرت أعمال «شحاتة» في ثلاثة أجزاء تتضمّن ما يمكن نشره من أدب شحاتة بشقيه الشّعري والنّثري، ليرسم صورة أكثر وضوحًا عن شخصية هذا الرّائد، الذي تعتبر مقدمته لكتاب الرّاوية المرحوم الأستاذ عبدالسلام السّاسي هي «البيان» النّقدي للحركة الأدبية الحديثة، أسوة بما قام به روّاد القصيدة الحديثة، من أمثال: نازك الملائكة، وبدر شاكر السيّاب، وعبدالوهّاب البياتي.. وبالتالي يمكن القول إنّ شحاتة كان مبدعًا وناقدًا في آن، وهذا ما وضحته في كتابي الموسوم «قراءة نقدية في بيان حمزة شحاتة الشعري»، ثم توسّع الابن والنّاقد حسين بافقيه في دراسة هذا الجانب النّقدي من خلال كتابه «مضائق الشعر.. حمزة شحاته والنظرية الشعرية».
* أعود لضرورة تكريم هذا الرّائد المتواضع، الذي أعلم مدى اهتمام معالي الوزير المثقّف والمهذّب الدكتور عادل الطريفي به شخصيًّا، فنحن أمّة العلم والمعرفة والحضارة وسلوكيات البر والوفاء، سائلاً الله أن يبقي لنا حياة هذا الرّائد، الذي يتعهّد رفاق الدّرب في الساحة الأدبية بالسّؤال، ممّا يعكس صفاء نفسه، وسعيه لجبر خواطر الآخرين، وكما ورد في الأثر: «ما عُبدالله بأفضل من جبر الخاطر».
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store