من أجمل الصدف أن تلتقي بشاعرة صديقة، من صلب أجدادك الموريسكيين، على متن كتاب، وتمنح نفسك ديوانها في غيابها، وبدون استئذانها. هذا ما حدث لي وأنا أزور الإسكندرية، والقاهرة مؤخرًا، حينما واجهني ديوانها الجديد: «قصاصات غيم»، أعادتني هذه الصدفة إلى ديوانيها السابقين: «لن أقايض النوارس»، و»يدثرني الغامض فيك»، اللذين يشيان بتجربة شعرية جعلت من اللغة رهانها. وهل في الشعر غير سلطان اللغة؟ لكن اللغة عند «إكرام» تأتي كما الغيمة الهاربة، بحيث يصعب لمسها، وفك أسرارها الماطرة. كلمة رومانسية هنا لا تكفي؛ لأنها ستختزل حتمًا، الوجدان العميق الذي يقف وراءها باتّساع لدرجة احتواء الروح كلها، والتعريج بها عاليًا نحو صوفية غير مقصودة لذاتها، لكنها حاضرة بقوة في اللغة نفسها.
ما تقوله مجموعة الشاعرة المغربية إكرام عبدي: «قصاصات غيم»، الصادرة عن دار العين، يمنحنا فسحة قلقة لاستنطاق لحظة البياض المتوغلة فيها وفينا كقرّاء، بقوة وعمق، ويزيح الظل الذي يُغلِّف جسد المرأة خوف فتنة يصنعها الرجل بكل حريته الاجتماعية النفعية، وتدفع ثمنها المرأة التي تصادر في كل شيء، حتى في حق التنفس، إذ تتحوّل إلى رديف للخوف الذي ينكسر في الداخل ولا يخرج. لهذا، لم يكن اختيارها التقسيمات الذهنية لمجموعتها اعتباطيًّا. للقصاصة والعدد سبعة ترميزات قادمة من بعيد، من الميثولوجيا نفسها التي جعلت من القصاصة جزئية إخبارية تبقي الباقي في الظل. كل الأسرار كانت تمر عبر القصاصات الصغيرة التي تعبر حديد السجون، القصور المسدودة، قلوب العشاق الخائفين. هي الأسباب نفسها التي جعلت من العدد سبعة مقدَّسًا وسحريًّا تعلق عليه الحيوات والأسئلة الأكثر تعقيدًا: «سفر»، «صمت»، «أنثى»، «العشق»، «بحر»، «منفى»، «الحرف». سحر يبدأ من لحظة سفر مسروقة، لحظة الخروج من شيء هلامي تشكله المرأة بأصابعها، ويديها مثل العجينة، قبل أن تنفخ فيه روح اللغة، من خلال تجربة المضي في دهاليز الحياة القلقة التي يصنعها البشر بحبهم وضغائنهم. ينزل الصمت قسوة قاهرة، فيتحول إلى موت بلاغي يكبح سلطان الأنثى وعشقها الأبدي؛ لأنها المانحة والحاضنة للحياة. قبل أن يحل التيه بسبب التمادي في الكشف عن السر العميق الذي يتماهى فيه كل شيء، حتى الخيبة والألم قبل أن يتحوّل إلى حرف يقول تراجيدية الإنسان في عشقه وجنونه ومآلاته. كأننا داخل الميثولوجيا الأبدية التي فتحت الجنة في وجه المرأة قبل إغواءات سر الحياة والمعرفة التي أقصتها نحو المنافي الأبدية، التي عليها أن تحملها على ظهرها كصخرة سيزيف. قصاصة البحر، أو بدء التيه، تجسّد بقوة هذه النهايات القدرية التي كان سببها اختيار صف الحرية الذي ليست مسألة عادية أو بسيطة: وحيدة/ في منفاي المخملي/ أبحر في الغياب/ لا أرسو إلاّ على بحري/ المفتون/ بملوحة حزني/ تداعبني/ موجة هاربة/ من ندوب الرمل.
قصائد إكرام أكثر من انتفاضة لغوية ضد الظلم الذي سنّه الإنسان في العلاقة بين الرجل والمرأة، وحوّله إلى قانون للهيمنة والسلطة والكراهية، بدل أن تكون سكنًا، لأنها الحاضنة الأولى للحياة، كما كانت بالنسبة للجنين. كل قصاصة تنفرد بخصوصية فنية، ونزوع موضوعي معيّن، وإن كان يربط بينها كلها خيط ميثولوجي مجازي رفيع، يخاطب الذات لأنها جماع التجارب الإنسانية في أقاصي قلقها الوجودي. ليست الإشارات الأندلسية بالخصوص نكبة الموريسكيين، ومصير التيه بعد سقوط المدن تباعًا في زلزال أنهى عصورًا من النور، ليست إلاّ تنويعات تعود إلى الجذر الأساس الذي فقد فيه الإنسان جنته الأولى، وبدأ رحلة الضياع والخوف. وأنا في محراب الصمت/ أتيه في حقول السماء/ ألتقط زخارف الكلم/ منمنمات العشق/ نيازك الأمس/ أودعها بلطف/ في حضن القصيدة.
إن الجملة الشعرية الموجزة عند «إكرام» هي رديف ليس فقط للإضمار الذي كثيرًا ما يختاره الشاعر للقول، ولكن لأكثر من ذلك، ممارسة اللعبة الفنية والاجتماعية إلى أقصاها من خلال اللغة، في عالم لا يمنح فسحة حقيقية للكلام. كيف تقول الشاعرة الأهم الذي يشغلها، في أكثر الأزمنة اختصارًا. الجملة تنحت أحيانًا بعنف شديد من خجل اللغة المستعصية. تريد منها أن تقول سخاء الأعماق بعد أن تتوغل في تعاريج الجرح النسوي. تنح أيّها الظل عن جسدي، كي تمر شمسي/ تنح أيها الموج عن بحري، كي يمر اصطخابي. اجتياز المستحيلات هو جزء من سلطان الشعر وحلمه. رسم لحالة تمرد سيدتها في النهاية الحرية التي تشع لا، في مجتمع ميت لا يقبل إلاّ بقينياته التي صنعها عبر قرون الحليب المر، لكن في الداخل العميق الذي لا قوة تنهيه أو تسرقه.
مجموعة إكرام عبدي: قصاصات غيم، ليست فقط لغة وجنون البحث عن المستحيل، وعطر السرد التاريخي، لكنها أناقة أندلسية تشبه عنفوان الأجداد، تعيد للغة صوتها العشقي، الصارخ أحيانًا والمضمر في أحيان أخرى. صوت نسوي من أعماق الذات الجريحة.
صرخة بطعم التّيه.. قصاصات غيم لإكرام عبدي
تاريخ النشر: 02 ديسمبر 2015 23:45 KSA
من أجمل الصدف أن تلتقي بشاعرة صديقة، من صلب أجدادك الموريسكيين، على متن كتاب، وتمنح نفسك ديوانها في غيابها، وبدون استئذانها.
A A


