Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

المعادلة المعكوسة.. حارس المدرسة أنموذجا

No Image

عندما يُقام ذلك (الاحتفاء) غير المسبوق لحارس مدرسة ساعد مجموعة من البنات الصّغيرات للعبور من بوابة المدرسة التي يعمل فيها من الرّصيف إلى الرّصيف المقابل -مع ما فيه ذلك الاحتفاء من جميل العرفان- إلاّ أ

A A
عندما يُقام ذلك (الاحتفاء) غير المسبوق لحارس مدرسة ساعد مجموعة من البنات الصّغيرات للعبور من بوابة المدرسة التي يعمل فيها من الرّصيف إلى الرّصيف المقابل -مع ما فيه ذلك الاحتفاء من جميل العرفان- إلاّ أنّه يشي بأنّ عمل الخير، وممارسة التطوّع، والتّعاون في خدمة الناس أصبحت في الجملة عملة (نادرة)، وفعل (استثنائي) وهذه مشيرات محبطة لخطاب دعوي ووعظي ودراسي فاشل!!
لا أعتقد أنّ هناك مجتمعا من المجتمعات الإنسانيّة يحتفل أيّما احتفال بما قال به الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم، وبما حثّ عليه بني الرّحمة عليه أفضل الصّلاة والسّلام من مجتمعنا المحلي؛ فالحثُّ على الرّحمة، والتّعاون، والإحسان وغيرها من السّموات الأخلاقيّة كلّها في الجملة من المبادئ العليا، التي ركّز عليها القرآن الكريم أيّما تركيز وطالب بها، وبرهن النّبي صلى الله عليه وسلم بالفعل الممارس والسّلوك الحي وإسقاطها على الواقع أيّما إسقاط، وهذا ما ينسحب على صحابته رضوان الله عليهم حينما قدّموا الصّورة الحقيقة للإسلام لتستحيل تلك الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة لسانا ناطقا أشبه بحركة مجتمعيّة يتعايش معها النّاس في معرض المزاوجة ما بين القول والفعل.
إنّ ذلك الاحتفاء الكبير لذلك الحارس بتلك الصّورة -مع ما تخلّله من إسقاطات دعائيّة من جهات عدة- يكاد يكشف عن وجه آخر من وجوه الخلل داخل البنية المجتمعيّة، لا يتّصل بما أقدم عليه الحارس الفاضل بوصفه سلوكا يُحمد عليه ويُشكر؛ ولكن بوصفه احتفاء مبالغا فيه يشي بمعادلة معكوسة في مجتمع عنوان خطابه الصّريح يقوم على مبادئ قيّمة ومُثلٍ جليلة، وإنّ جاء في معرض الشّكر والعرفان!
أيصحّ أن يقام ذلك الاحتفاء كما يقام لغيره من غايات الحياة والغرور بها؟!، ولماذا إذن هذا الاحتفاء؟!، وما سرّ تلك الحفاوة بسلوك كان ينبغي أن يكون حاضرا بكل قوّة في ظلّ خطاب عريض نسمعه آناء الليل وأطراف النهار في مساجدنا، ومدارسنا، ومحاضراتنا وندواتنا؟!
وعطفا على ما قِيل قبلاً؛ فقد كان الأجدر والأمثل والحال كذلك أن يكون السّلوك المغاير هو المستنكر والمستهجن تبعا لتلك الحزم المتوارثة من الخطابات الوعظيّة والدعويّة، وعلى ما تتضّمنه مناهجنا الدراسيّة من خطابات تشي بالحثّ على كلّ سلوك أخلاقي ينفع العباد والبلاد..!!
إنّ حركة المجتمع المحلي في كثيرٍ ممّا يصدر عنه من أفعال وسلوكيّات تقدّم للمتابع صورة معكوسة ومغايرة لما يرسله من خطابات أو أقوال، ولعلّ إمعان النّظر في الواقع المعيش يكشف عن هذه الخلل الكبير والازدواجيّة المقيتة ما بين الأقوال المرسلة من جهة، والفعل الممارس من جهة أخرى.
فهل يصحّ بعد هذا أن نقول بأنّ الخطاب الدينيّ فشل في بناء منظومة أخلاقيّة صلبة لها انعكاسات حقيقية وملموسة في الواقع المعيشِ؟!
نعم، يصحّ...؛ بل يمكن القول بفشل ذلك الخطاب حتّى في التّنظير المجرّد، فالتّحليل النّوعي والكمي لهذا الخطاب يوصلك إلى نتيجة مؤسفة، تؤكّد ضآلة عنايته بمسألة الأخلاق من حيث الطّرح والتّبني في الخطب، والدّروس، ومحاضن التربية، ونحو ذلك- كما يقول أحد الباحثين- مع ضمور البعد الفلسفي في التّعاطي مع هذه المسألة، ممّا يسطّح كثيرًا هذا الخطاب في هذه المسألة، بخلاف مسائل أخرى يعدّها أساسية كمسائل العقيدة ونحوها، حيث يتوسّع في شرحها ويتوسّل في علم الكلام والمنطق، ويلجأ إلى أدواتهما في التّنظير والتّناول العلمي التّفصيلي.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store