منذ صدور ديوانه “رباعيات مخضبة” عام 1419هـ عن نادي حائل الادبي كان ومازال الشاعر “أحمد سالم باعطب” أحد أهم الشعراء المعاصرين الذين جمعتني بهم أواصر القربى الشعرية. فتارة التقيه في “أحدية” الدكتور أنور عشقي يترنم بشيء من شعره الوطني والاجتماعي، وتارة التقيه في “اثنينية” الوجيه عبدالمقصود خوجه ينشدنا شيئا من شعره المناسباتي أو الغزلي.. وفي كل الأحوال تجده شاعراً متمكناً، صاحب لغة صافية وقافية موزونة، ومشاهد اجتماعية واقعية، وصور أدبية بليغة، وتعابير جزلة رقيقة، وحكم وأمثال مشهودة.
لقد جمعتني الأيام والليالي مع هذا الكنز الإنساني الكبير فما أجده إلا ويتبنى الشكوى شعراً إنسانياً، ومواجع حياتية، تجد صداها في “رباعياته” أو “روضه الملتهب” أو في “عيونه التي تعشق السهر” أو من خلال “طيوره المهاجرة”.
ذلكم هو الشاعر الأديب “أحمد سالم باعطب” الذي غيّبه الموت يوم الاثنين وجاءني نعيه مساء على لسان الصديق الوفي محمد باوزير، لنتذاكر سوياً تلك المسيرة الزاهية لشاعرية “باعطب” يوم زرناه في داره قبل خسمة أشهر تقريباً فوجدناه على فراش المرض حياً/ ميتاً في غيبوبة طويلة.. دعونا له بالشفاء والتخفيف من الذنوب.
“أحمد باعطب” ومنذ خمس سنوات غاب عنّا بجسده، وصوته، ولكن شعره كان أنيس مجالسنا، ورباعياته فاكهة شعرنا، وشعره الاجتماعي مجال أسمارنا.. أتذكر منها:
شكوت لزوجتي غصص الزمان
وشوقاً للدراهم قد براني
أحنّ لوصلها وأذوب شوقاً
وتأبى أن يتم لها قراني
ويمسح عابس الأيام جاهي
ويخطب صحبتي قاصي وداني
وما فكرت أن الفقر خوف
لكل موظف عف اللسان
أحمد باعطب في حياته إنسان متكامل، فيه من دماثة الخلق، وصدق الأخوة، والكلم الطيب ما يجعله قريباً من محبيه، إذا سمعته ينشد الشعر، تجده يتعايش مع الكلمة والوزن والقافية، ويجسّدها في لغة جسده، وايماءاته، وصوته الرخيم، ولكنته الحضرمية المحبّبة فيفتتن بها السامع، ويبتهج لها الحضور.
اليوم يغيب عنا أحمد باعطب، نواري جثمانه الثرى وروحه تتعلّق بباب السماء، نرجو له المغفرة والرحمة، ويبقى ذكره بيننا شعراً ونثراً وسمعة طيبة.
اليوم تستقبله الملائكة بعد أن ودعه بنو آدم، لقد نسيناك “يا أحمد” في مرضك، وتناسيناك في دنياك، ولكنك قدمت إلى رب رحيم وذو مغفرة واسعة.
لقد قلت ذات شعر رباعي تتضرع وتتقرّب فيه إلى الله كلاماً إيمانياً تجعل العبد بين الخوف والرجاء، قلت:
رباه أسرف في الضلال وتغفر
وأهد أبواب الصلاح وتجبر
كم جئت أحمل مهجة من لهفةٍ
ظمأى تكاد من الصدى تتفطر
وعلى جفوني أمنيات برة
رفافه بظلالها تتمخطر
أنت الكريم وسعت بالحسنى الدنى
نرسو بها سفن العباد وتبحر
وها قد مات “أحمد باعطب” وكلنا ميتون، لكنه مات بعد أن عانى من الأمراض ما عانى رحمة من الله وتكفيراً للذنوب والسيئات حتى يقدم على ربه طاهر الأردان، ثقيل الميزان بالحسنات إن شاء الله ومع موته وفراقه الذي نحن به مؤمنون، وبقضاء الله وقدره واثقون، فإن ما أبقاه لنا من تراث شعري سيبقيه بيننا اسماً لا يُنسى ورسماً لا يُمحى، وذاتاً تتهيؤه في ابنائه واحفاده..
رحم الله صديقنا وحبيبنا الشاعر أحمد سالم باعطب وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان و(إنا لله وإنا إليه راجعون). 

* شاعر.. ناقد
عضو نادي جدة الأدبي