ما أن تثبّتت الشرطة الأمريكية من أن منفّذ عملية إطلاق النار الأخيرة في سان برنادينو بكاليفورنيا يدينُ بالإسلام؛ حتّى بدأ التحليل الإخباري هناك يبحث عن رابط، أيّ رابط، يشدُّ المملكة العربية السعودية إلى المشهد. راحت التصريحات الإعلامية تروّج -وبتكرار مملٍّ- حكاية أن سيّد فاروق الباكستاني-الأمريكي قد تشدَّد فكريًّا حين التقى بزوجته تاشفين مالك في الأراضي السعودية. مع كلّ إعادة للخبر والربط المتعجّل أخذت الحكاية تزدادُ تهويلاً، حتّى ردَّد الإعلاميون الأمريكيون أن تاشفين مواطنة سعودية، تمكَّنت من غسل مخ سيّد فاروق، وتحويله إلى راديكالي عنيف.
وتحرّكت السعودية على المستوى الرسميّ والإعلاميّ لتنفي، وتكذّب، وتصحّح، ويبدو أن توريطها في كلِّ عملية إرهابية على وجه الأرض، يسير بشكل ممنهج ومقصود في السنوات القليلة الماضية. أوضحت السلطات السعودية أن تاشفين مالك ليست مواطنة سعودية، وأنّها لم تُقمْ في المملكة لمدّة طويلة، بل زارتها مرّتين، الأولى لعائلتها عام 2008 لعدّة أسابيع، والأخرى عام 2012 لمدة أربعة أشهر، وأن فاروق زار السعودية مرّة واحدة لمدّة تسعة أيام لأداء العمرة عام 2014، وأخيرًا إن الرانديفو الراديكالي بينهما لم يجرِ على الأراضي السعودية.
وبعد تفنيد الحكاية الملفّقة، علّقت السعودية أنّها تستقبل سنويًّا مئات الحجّاج والمعتمرين من حاملي الجنسية الأمريكية، ولو أن التحوير الفكري نحو التطرّف إجراء يتم بمجرد حضور أحدهم للمملكة «لتضرّروا جميعًا فكريًّا وعلميًّا». بأيّ منطق يتحدّث أفراد التحقيق الأمريكان، حين يربطون بين الزيارة القصيرة جدًّا التي قام بها المفجِّران، كلّ على حدة، إلى السعودية، وبين ميولهما التطرّفية؟ أيّ كبسولات مضغوطة ابتلعاها ليتغيّر تفكيرهما من السلم إلى القتل بهذه السرعة؟ أو ربما قد أصبح التشدّد ذرّة من مكوّنات الهواء السعوديّ، بمجرد أن يستنشقه الزائر يتغلغل في تلافيف دماغه؛ ليبدأ الانسلاخ والتحوّل.
بعد التفنيد الرسميّ كتب تشارلز كيني في مجلة بوليتيكو: «نحن لا نعرف تمامًا ما الذي حدث لتشافين مالك خلال السنوات التي قضتها في السعودية، أو ما الذي تعرّض له سيّد فاروق خلال المرّتين اللتين زار فيها تلك البلاد. لكن ما نعرفه أن السعودية لديها تاريخ طويل من تشجيع التطرّف الدِّيني في أراضيها، وتصديره للخارج». طبعًا، لم يقرأ التصريح السعوديّ، وإن قرأه فقد آثر أن يتجاهله تمامًا؛ لأن الحكاية ستفقد بريقها، ولأن الجهود المبذولة بترتيب متقن لإلصاق تُهمة الإرهاب بالمملكة يجب ألاَّ تُجهض.
والحملة التشويهية التي يقودها الغرب تسيء إلى المملكة بالتأكيد، لكن الإساءة والتكريه موجّهان ضد الإسلام، وهم حين يختلقون سيناريو يقتضي ضمنيًّا توريط السعودية بالذات، فذاك لأنّها مهبط الوحي، وأرض الحرمين، ووجهة المسلمين. هذه الحكايات التي ما عادت محبوكة بشكل جيد، توغر صدور الشعوب، وتحرّكهم باتجاه جرائم الكراهية، وإيذاء المسلمين على المستوى الفرديّ والرسميّ: يوم 8 ديسمبر ألقت سيارة مارّة من أمام مسجد في فيلاديلفيا رأس خنزير على الباب، وفي 9 ديسمبر أطلق دونالد ترامب المرشَّح للرئاسة الأمريكية صراخته الهتلرية الدَّاعية إلى فرض حظر كامل على دخول المسلمين إلى أمريكا.
كل حوادث القتل الجماعي التي تتكرّر في أمريكا مرّة في الشهر على الأقل، وإن تراوحت في فداحتها، وعدد ضحاياها، لها نفس النمط: فردٌ مسلّحٌ يقتلُ مجموعةً من النّاسِ. وفي كلِّ مرّة يتأرجح الشكُّ حول الجاني، ودوافعه، فإن لم يكن مسلمًا، مرّ الحادث بسلام، أمّا لو كان اسمه، أو لونه مختلفًا، فلا بدّ من تحويل الجريمة إلى عملية إرهابية، قام بها مَن لامس كتفه سعوديًّا في الطريق بشكل عابر، ليصل الغرب إلى نتيجة مسبقة، وهي أن الإسلامَ دينٌ راديكاليٌّ عنيفٌ.
رانديفو راديكالي
تاريخ النشر: 10 ديسمبر 2015 01:08 KSA
ما أن تثبّتت الشرطة الأمريكية من أن منفّذ عملية إطلاق النار الأخيرة في سان برنادينو بكاليفورنيا يدينُ بالإسلام؛ حتّى بدأ التحليل الإخباري هناك يبحث عن رابط، أيّ رابط، يشدُّ المملكة العربية السعودية إل
A A


