نحن مسلمون في كلِّ (أقوالنا)؛ تحضر الأوامر والنَّواهي في كلِّ مكان؛ في البيت، في المدرسة، في مسجد؛ ولكنَّها تغيب عن الممارسة الفعليّة، وتسقط من الحساب على أرض الواقع والممارسة!!
خذ مثلًا: طلابنا في المدارس بكلِّ مستوياتهم ومراحلهم، يقرؤون آلاف الصّفحات عن كلِّ قِيمة دينيِّة؛ ولكنَّ تلك الصَّفحات تذهب إلى ركنٍ قصي عند الممارسة.
ويحفظ الجميع رجالًا نساء مئات الآيات القرآنيّة والأحاديث النَّبويّة عن كلّ قيمة مستحسنة؛ ولكنَّها تستكن بالبقاء في زاوية من الدِّماغ لا تتحرك ولا تتفاعل مع محيطها المعاش!
فهل ينسحب علينا قول أحدهم: «إنّ الكلمة لتنبعث ميّتة وتصل هامدة مهما تكن طنَّانة رنَّانة متحمّسة إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها، ولن يؤمن إنسان بما يقول حقًا إلاَّ أن يستحيل هو ترجمة حيِّة لما يقول، وتجسيمًا واقعيًا لما ينطق، عندئذ يؤمن النَّاس ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق، إنَّها حينئذٍ تستمد قوَّتها من واقعها لا من رنينها، وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها، إنَّها تستحيل يؤمئذٍ دفعة حياة، لأنَّها منبثقة من حياة».
إنَّ المعادلة الصَّحيحة أنَّ الفعل الممارس هو صدى حي لما في الوعي؛ ولكنَّنا في مجتمعنا عكسنا المعادلة، فما يخبئه العقل الواعي أو يستكن فيه يعكسه الواقع الحي في صورة من صور التَّمرد على كلّ قيمة دينية أو حضاريّة!
ينهي أحدهم في ذات المجلس عن الرِّشوة، ويسرد لك ما يسرك من الآيات الكريمة، والحديث الشّريف،؛ ولكن سرعان ما تكتشف السوءة في ذات النَّهار!!
ويقدم لك أحدهم وصايا تقشعرّ منها الأبدان في حقوق الجار حتَّى تلعن شيطانك على كلِّ إساءة في حقّ جارك، فإذا بمحدثك يسقط حِمم أذيته على جاره تارة بالقول البذيء، وتارة بالفعل المشين..!!
ويأتيك أحدهم يحدثِّك عن العدل، فيصنع منه مكعبًا أو مربَّعًا على مقاسه هو لا غير.. فإنْ قلت له إنّ العدل كلّ لا يتجزأ تنكَّر هذا منك واتَّهمك بالعصيان وقلِّة الأدب..!!
وتحضر محاضرة لداعية؛ فتسكن الجوارح خشية من آيات الله جلّ في علاه وأحاديث رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهو يرسل الموعظة تتلوها الموعظة، ثمّ سرعان ما يأتيك الخبر، بأنّ صاحب القول خلو من كلّ ما أثار فيك تلك الخشية..!!
فهل نستطيع القول: إنَّ ما قال به رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم: «مثل الذي يعلِّم النَّاس الخير وينسى نفسه مثل (الفتيلة) تضيء على النَّاس وتحرق نفسها» ينسحب علينا في كلّ ما يصدر منا من قول دون عمل؟!
لن أكثر الحديث عن المفارقة بين القول العمل؛ ولكنَّني أحيل البعض ممن أغوته نفسه تبجحًا على خلق الله وهو يمارس سلطته الواهنة عند الضّعفاء والمساكين من العامّة، أحيلهم إلى كتاب (اقتضاء العلم بالعمل) للخطيب البغدادي الذي حقَّقه محمد ناصر الدين الألباني، وكتاب (ذم من لا يعمل بعلمه) لابن عساكر، وكتاب (جامع بيان العلم ونقله) لابن عبدالبر الذي رهن فيه بابا تحت عنوان (باب جامع القول في العمل بالعلم).
نسيت أن أقول: كان لي زميل يترك بعض واجباته الوظيفية من أجل أن يصلي صلاة (الضحى)..!!
ثوب التّديّن تسقطه الممارسة
تاريخ النشر: 25 ديسمبر 2015 00:14 KSA

نحن مسلمون في كلِّ (أقوالنا)؛ تحضر الأوامر والنَّواهي في كلِّ مكان؛ في البيت، في المدرسة، في مسجد؛ ولكنَّها تغيب عن الممارسة الفعليّة، وتسقط من الحساب على أرض الواقع والممارسة!!
A A


