Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

العام الجديد وأمنيات الأماني

انطفأت سنة، وحلّت محلّها سنة جديدة.

A A
انطفأت سنة، وحلّت محلّها سنة جديدة. كأيّ مواطن عربيّ في هذه الرقعة الشديدة الاتِّساع والضيق أيضًا، أحلم مع غيري من سكان هذه الأرض، بأمنية الأماني، التي نراهن عليها حتى ونحن في أتعس الوضعيات العربية، أن تتوقّف الحروب كيفما كانت الأسباب، ويحل محلها العقل، ويعمّ الأمان والسلام عربيًّا وإنسانيًّا.
الحروب عندما تشتعل نيرانها في أيّ مكانٍ كان، تصل أدخنتها الخانقة، والمعمية للأبصار إلى الأمكنة الأكثر راحةً وأمانًا. لهذا فالسلام مسألة عالمية، وليست فقط عربية، ولو أن حاجة العرب له كبيرة وحيوية. الحروب تقتل إنسانية الإنسان، والظلم يمحو ما تعلَّمه من قيمٍ نبيلة، ورفعة للنفس. لشعوبنا الحق في الحياة والحب والحرية واللغة والدّين. احترام الخاصيات الدينية، كيفما كانت الأوضاع القلقة، مسألة في غاية الأهمية، بل وحامية لوحدة المجتمع من الصراعات. العروبة في هذا السياق يجب أن تكفَّ عن أن تكون فعلاً إقصائيًّا وعرقيًّا، ولكن كهاجس ثقافي وحضاري، ومساحة للمعرفة والنور كما في الأزمنة الماضية، حيث استطاعت لملمة الثقافات العالمية، وأعادت صياغتها في أفق عربي إنساني. اللغة العربية كتب بها الهندي والفارسي، وعبّر بها أيضًا اليهوديّ والمسيحيّ والمسلم عن تشوّقه الثقافيّ، وحبّه للآخر ومعرفته. فكانت العروبة مساحة للنور، والخروج من ظلام القرون الوسطى؛ لأنّها لم تكن لا عرقية، ولا جهوية أيضًا، بالمعنى الضيّق.
في اللحظة التي بدأت تشيع فيها النزعات العرقية الضيّقة، مات المشروع الثقافيّ العربيّ الإسلاميّ، ليعقبه تفكك كبير على كل المستويات، تبنّاه الموالي قبل أن يعصفوا بالدولة الإسلامية، وتضمحل الثقافة والتنوّر، وتدخل العروبة الثقافية والحضارية في دائرة النفق الأيديولوجيّ والسياسيّ الضيّق، الذي أنهى فاعليتها. مازلنا إلى اليوم نعاني من إقصاءاتها، إذ وضعت الأقليات في دائرة النسيان، ولعبت بالدِّين واللغة كما شاءت، وأنشأت في عصرنا الحديث كيانًا هلاميًّا بعثيًّا، لا هو علمانيّ ولا هو دينيّ. كان خرابًا على الأمة بضيق رؤيته. استعادة العروبة ثقافيًّا من مخالب السياسيّ أمرٌ مهمٌّ. ليست العروبة وحدها ما يهمّ في هذه السنة، ولكن المواطنة -أيضًا- تظل حلمًا جميلاً، وتحقيقها عربيًّا واحدة من أجمل أماني السنة الجديدة. مهم جدًّا أن يشعر العربيّ بأنه ينتمي إلى وجود يحميه من مختلف الانزلاقات، ويشعر فيه بانتماءاته الحيوية. أمنية قد تكون ثقيلة، وربما مستحيلة، لكنها ضرورية جدًّا. الحلم ليس عيبًا. هو شرعية الوجود الإنسانيّ على هذه الأرض.
أمنية ثالثة، قيمتها ليست قليلة، وهي تتعلّق بحرية التعبير. الثقافة كنز مهما كانت انتقاداتها، وليست سكّينًا في خاصرة المجمعات الإنسانية. نحلم أن يجد المبدع في المساحة العربية فرصته للتعبير بشكلٍ حُرٍّ، ولا رقيب عليه إلاّ قانون يحترم الإنسان، وحرية التعبير، لا يُحاسب الناس، أو يحكم عليهم بالسجن، أو الإعدام بسبب أفكارهم. نحلم أن نكون عربيًّا سادة القرار الثقافيّ على أراضينا، أحسن من أن نمنح للأوصياء المتربصين الفرصة ليقولوا عنّا ما يريدونه. الأفكار حتى المضادة منها، تواجه بالفهم والفكر النقيض، والتنوّر، والسجال، والثقافة الإنسانية البديلة. قتل تنظيم داعش، والأنظمة الدكتاتورية، وقبلها التيارات الإسلامية المتطرفة كالقاعدة وغيرها، الكثير من الأبرياء والمثقفين، فمنحتهم فرصة الخلود، لأن أصواتهم تعيش بيننا وفينا، ولا يمكنها أن تموت. اختلاف الرأي يقابله الرأي البديل، ويقابله أيضًا القانون الإنسانيّ الذي يعطي لكل ذي حقٍّ حقَّه. القانون وسيلة رادعة ضد الظالم؛ لأنه مشترك بشكل وفاقي، بين الجميع. قد يبدو ذلك رفعًا لسقف الأماني، لكن يجب أن لا ننسى أننا في أفق عالمية ستفرض علينا الأشياء وفق مصالحها، إن لن نحلها بوسائلنا ومفكرينا وخصوصياتنا الثقافية التي ليست عاجزة عن الإبداع والخلق. لا يمكن أن يحاسب الإنسان اليوم خارج القانون بسبب نَصٍّ، أو رسمٍ، أو نحتٍ، أو مسرحيةٍ، أو روايةٍ، أو قصيدةٍ، أو تُصادر حقوقه في التعبير خارج القانون الذي يحفظ له الحق في الدفاع عن نفسه؛ أملاً أن تكون هذه السنة الجديدة أفضل من غيرها في الموضوعات الحيوية الثلاثة: الحرب، والمواطنة، وحرية التعبير. لا رهان أمام الموت إلاّ الحياة بالمعنى الفلسفيّ والثقافيّ، والإصرار عليها أمام كل ما يلغيها. غيّب الموت، السنة الفارطة، الكثير من المفكّرين، والكُتّاب، والفنانين، وضيّقت السجون العربية وسجون الاحتلال، الخناق على الكثير من الأصوات الأدبية والفنية العربية، بسبب آرائهم. على الرغم من هذا كله، تظل الثقافة رابطًا قويًّا بين البشر، ومساحة أمل لا تندثر. تغييبها هو تغييب للحاسة العميقة في الإنسان، وهي الباروميتر الضامن لتواصله، وتجاوز معطيات الحاضر القاسية.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store