Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

تيارات الإسلام السياسي ودورها في التشكيك في مبدأ الولاء للوطن

• جاء الإعلانُ عن إقامة حلف عسكريّ إسلاميّ لمحاربة الإرهاب، على لسان سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في وقت متقارب، مع البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية، على لسان المتحدّث باسمها اللواء منصور ا

A A
• جاء الإعلانُ عن إقامة حلف عسكريّ إسلاميّ لمحاربة الإرهاب، على لسان سمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في وقت متقارب، مع البيان الذي أصدرته وزارة الداخلية، على لسان المتحدّث باسمها اللواء منصور التركي عن إعدام 47 مدانًا بقضايا الإرهاب؛ ممّا يدلل على عزم القيادة الرشيدة على استئصال الفكر التكفيريّ من جذوره أمنيًّا، وفكريًّا، وإعلاميًّا. ويلاحظ المرءُ أيًّا كان موقعه أن عددًا كبيرًا ممّن مارسوا الإرهاب في بلادنا، كانت معظم مصادر ومراجع ثقافتهم الدينية، والفكرية المتشدّدة خارجيّة، أو طارئة، ومُندسَّة، حيث عاش بعض منظِّريها بيننا ردحًا من الزمن، مستغلّين طيبة أهل هذا البلد، وفطرته النقيّة، ولم يتوانوا -للأسف- في استغلال هذه الطيبة لنشر طروحاتهم التي يمكن تصنيفها في باب أدبيات الإسلام السياسيّ. ولابد من الإقرار بأن كثيرًا من هذه الأدبيات التي ترتدي مسوحًا إسلاميًّا قد تجذَّرت في البيئة العلمية، والفكرية في بلادنا، بحيث يصعب اجتثاثها بين يوم وليلة، وركَّزت هذه الأدبيات على التشكيك في مبدأ الولاء للوطن، واستبداله بالولاء للمراجع الدينية الخارجية سواء كانت سلفية جهادية، أو سرورية، أو حوزة دينية، أو طالبانية، وسواها، ولذا أنقلُ ما سمعته من أحد الوعَّاظ في مساجدنا حيث يقول: ليس هناك شيء يُعرف بالولاء للوطن، بل هو الولاء للحق أيًّا كان، ولعل ذلك يحمل دلالة ما، روّجت له أخيرًا «داعش» المؤسَّسة على فكر القاعدة من قيامها للخلافة الإسلامية، وأخذ البيعة قسرًا وترهيبًا من الناس.
• وللتاريخ.. فإن بديهية الولاء للوطن لم تكن محل نقاش وتشكيك لدى أجيالنا، ولكنّ أجيالاً لاحقة تشرّبت أدبيات الإٍسلام السياسيّ. ولنكن صريحين، فلقد تفتّحت أعين هذه الأجيال والمكتبات تمتلئ بالمراجع المتخصّصة في هذه الأدبيات، والتي تُعتبر الذراع التنظيري لتلك الحركات، بينما هناك أذرعة عسكرية بها، وجدنا وشاهدنا أمثلة لها عند جماعة التكفير والهجرة، والجهاز السريّ لحركة الإخوان، وجماعة جهيمان التي انتهكت قدسية وحرمة البلد الحرام، وما يُسمى بحزب الله، وسواها من التنظيمات التي تستغل العاطفة الدينية لترويج أفكارها.
* وحرصت تلك المراجع بأدبياتها الناعمة، والتي تعمل بكلّ الوسائل المتاحة على الإيحاء بأن مبدأ الولاء للوطن يناقض مبدأ الولاء للدِّين، وهذا ادّعاء باطل، فهذا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما علم بمرض الصدّيق أبي بكر -رضي الله عنه- بعد الهجرة النبوية للمدينة، وترديده لأبيات تصوِّر حنينه وشوقه إلى مكة التي تقول:
ألا ليت شِعري هل أبيتنَّ ليلــة بوادٍ وحولي إذخرٌ وجليلُ
وهل أرِدنَ يومًـــا ميـــاه مجنـــــــة وهل يبدونَّ لي شامةٌ وطفيلُ
إذا بالنبيّ الخاتم يقول في دعائه: (اللهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبَّبت إلينا مكة، أو أشد) السيرة الحلبية، ج2، ص 274-277.
• أمَّا القضية الثانية والأشدُّ خطورةً، والتي عملت هذه التيارات على التركيز عليها، فهي ما عُرف بنهج الحاكمية، والتي كانت -ومازالت- أدبياتها تروِّج لنظرية جاهلية المجتمع، لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم، حيث يقول صاحب (المعالم): «إن العالم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقوّمات الحياة وأنظمتها، هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخصِّ خصائص الألوهية، وهي الحاكمية»!.
• ويذكر الباحث (حلمي النمنم) بأن المودودي الذي نظَّر لها أساسًا لم يخترع أفكاره تلك «أي الحاكمية»، ولم يكن صاحبها، بل عُرفت أوّل مرة مع الخوارج..
ومَن يقرأ بتمعُّن كذلك الرسالة لأحد الوعَّاظ المعروفين الموسومة (الحكومة الإسلامية)، فهي لا تخرج أيضًا عن هذا السياق، وهذه الرسالة قام بنشرها جيهمان قبل ما يقرب من أربعين عامًا، فيما عُرف آنذاك -برسائل الدعوة- ويجب أن نقرَّ بأنَّ مَن غُرر بهم من شبابنا -آنذاك- وحتى وقتنا الحالي هم مَن وقعوا تحت تأثير هذه الأفكار، فبلادنا تُحكِّم شرع الله الحنيف في كل شؤون حياتها، وتأخذ بمنهج الوسطية والاعتدال، ولا توظِّف الدِّين مطلقًا للأغراض السياسية المحضة، ولا تدعو للخروج على ولي الأمر، ولا تُفسِّق الناس، وتحاكم عقائدهم، وترميهم بالتبديع، والتفسيق، والخلل العقدي من دون وجه حق.
• ولابدّ أنّ هذا الحلف الذي وُفِّقت الدولة في الإعلان عنه، وانضمت إليه ما يقرب من أربعين دولة؛ بغرض محاربة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، لابدّ له من استئصال واجتثاث هذا الفكر الخارجي، وذيوله من البيئات العربية والإسلامية، والعمل بالتنسيق مع مراكز العلم داخليًّا وخارجيًّا كالأزهر الشريف، وسواه على نشر الفكر الوسطيّ الذي دعت إليه مقاصد الشريعة السمحة.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store