الجسد العربي جريح، وتحاول الرواية العربية قول هذا الجرح من خلال منظومتها اللغوية والفنية، متفادية الانزلاقات والحفر السياسية. أكبر مقتل للفن هو غرقه في السياسي، واستبدال بخطابه الأبدي الخطاب الآني؛ لدرجة خسران هويّته التاريخية. إن ما يجعل الفن استثنائيًّا هو قدرته على القول والحفاظ على نفسه حيًّا وديناميكيًّا. خرجت الرواية عالميًّا، عن كونها مجرد ترديد لما في المجتمع، وتخطَّت اللوحة التي تمكن معاينتها إلى ما هو أعمق، فصوّرت ما عجزت السياسة عن رؤيته. يُمكننا أن نتتبع هذه السلسلة من الانهيارات في الجسد العربي الجريح، التي قالتها الرواية العربية بطريقتها عبر رحلة المئة سنة الأخيرة، وتحديدًا النصف الأخير منها الذي غيّر الكثير من ملامح المجتمع العربي. من اختيار النموذج الغربي كنظام، ولكن أيضًا كوسيلة تعبيرية، إلى معاداته ومحاولة خلق البدائل السياسية والثقافية وفق يوتوبيا كبيرة، كثيرًا ما اصطدمت بمرارة الواقع الصعب والمتخلِّف. إلى السير معه؛ لأنّه هو أيضًا مأزوم، ولا يملك الشيء الكثير ما عدا الأزمات والخسارات المشتركة والقوة، ومحاولة التخلّي عن هذه الأزمات بتصديرها. ربما انكسار اليقينيات هو أهم صفات هذه التحوّلات. ما حدث في نصف القرن الأخير حطّم الكثير من هذه اليقينيات. ما كان يبدو قبل مدة قصيرة يقينًا، أصبح مجرد يوتوبيا. فكرة الوحدة العربية مثلاً التي شكَّلت قطبًا سياسيًّا وثقافيًّا، وجعلت الأجيال المتتالية من العرب يحلمون، انتهت إلى كابوس غير مسبوق، وإلى سلسلة من التمزُّقات الكبرى جعلت من الأرض الواحدة أراضين، ومن القلب الواحد قلوبًا متقاتلة. في هذا كله كان الروائي العربي قريبًا ومصغيًا لهذه الاختلالات، على الرغم من المصادرات والقمع. فقد عبَّر عن ذلك بحرية وخوف من مستقبل كان يرتسم بمرارة، عبدالسلام العجيلي، نجيب محفوظ، حنا مينا، جمال الغيطاني. صنع الله إبراهيم، الطاهر وطار، والعروي، وغيرهم. اقترب هؤلاء الكُتَّاب بنصوصهم من الإرباك العربي ومن انشغالاته، لكن برؤية نقدية استباقية حيّة، لم يكن يهمها شيء آخر سوى الحقيقة الأدبية، فكانت هي السبب الأول في المتابعات، والخوف، والمطاردات، وتكميم الأفواه التي لم تُسكت الكاتب، ولكنّها منحته أحقيّة القدرة على التعبير عن المأساة العربية في كل تحوّلاتها. فقد كانت الرواية العربية سبَّاقة إلى رسم اللوحة الخفية لمجتمع مرتبك، وغير واثق في نفسه. فقد دخلت الرواية غمار التجربة الفنية العربية بالنقد والتحليل، محمّلة بسلسلة من الأسئلة المعقَّدة لا تجد دائمًا إجاباتها الممكنة. هي ليست دراسات يقينية، ولكنها وسائط فنية وأدبية تسمع بقوة إلى ما لا يسمعه الجميع. هو ما فعله جيل ما قبل الاستقلالات العربية. فقد واجهت الرواية العربية عصرها بالانخراط فيه أولاً، والدفاع عن قيمه: الحرية، الاستقلال، النضال، نقد الخيبات الكبيرة، ضمن فكرة إمكانية تأسيس مجتمع جديد، وتصوّرات جديدة، انتقدت عصرها، وانتقدت أصعب تجلياته الفكرية. إذ إن صورة الدكتاتوريات التي كسرت كل إمكانية للتطور ليست إلاَّ محصلة الخيبات المتواترة وضعتها الروايات العربية في أُفق النقد بالتوغُّل في نُظمها الخفية، كما فعل نبيل سليمان، بنسالم حميش، محمد ديب، وغيرهم. هذه التعددية الكبيرة جعلت الرواية على رأس الأشكال المقاومة. لأن إشكالية الحرية هي حجر الزاوية، بدونه لا يمكن التفكير في أي شيء آخر. فالرواية هي الحرية بامتياز من حيث مساحاتها الواسعة والكبيرة. فما يحدث اليوم في الوطن العربي معقد. ويحتاج إلى رؤية متعددة الجوانب وواسعة، وغير أيديولوجية لا تغطيها إلاّ المساحات الأدبية الأكثر اتّساعًا. نعرف مسبقًا أن الثورات لا يمكنها أن تتمَّ على الحرير، فهي تبنى على الحلم، ولكن أيضًا على القتل، والموت، والعذابات، والتشريد. الجزائري، أو الفلسطيني، أو غيرهما عندما دخل حربه ضد المستعمر، كان في رأسه التخلّص من آلة استعمارية قاهرة. فكشفت رواية الجيل الأول من المقاومين عن اللوحة الخلفية والقاسية التي لا تظهر بسهولة للمواطن، أو للقرّاء. ولا تقول فقط الحرب، ولكن تقول نقيضها، الحياة والحب كما عند غسان كنفاني، وكاتب ياسين، ومحمود المسعدي، وغائب طعمة فرمان، وغيرهم، لأن الرواية الثورية في العمق ليست دائمًا هي الرواية التي تعتمد خطابًا عدائيًّا مباشرًا. فرواية أناكارينين لتولستوي، ومادام بوفاري لفلوبير، والأحمر والأسود لستاندال، ليست أقل ثورية من أشعار لوركا، أو أشعار ماياكوفسكي، أو كتابات أراغون، أو سارتر، أو غسان كنفاني، أو غيرهم. المهم في النهاية أن تنخرط الكتابة في عصرها، ومشكلات الشعب الكبرى بما فيها التفاصيل الصغيرة التي قد لا تُشكِّل لنا اهتمامات كبيرة، لكنها ضرورية. مع الوعي المسبق بأن لا تخسر الرواية شرطيّتها الفنية التي تضمن بُعدها الروائي، وهي تُنشئ لغة نازفة موصفة للجسد العربي، ولا تحوّلها إلى خطاب ملحق بالخطاب السياسي السهل، والمباشر، والمحدود تاريخيًّا وتأثيرًا.
لغة الجسد العربي الجريح
تاريخ النشر: 14 يناير 2016 00:44 KSA
الجسد العربي جريح، وتحاول الرواية العربية قول هذا الجرح من خلال منظومتها اللغوية والفنية، متفادية الانزلاقات والحفر السياسية.
A A


