Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الفرح العربي المستحيل

يبدو أننا تعوَّدنا على معاداة الفرح، لدرجة أن أصبحت هذه المعاداة نظامًا مضادًّا.

A A
يبدو أننا تعوَّدنا على معاداة الفرح، لدرجة أن أصبحت هذه المعاداة نظامًا مضادًّا. المشكل ليس في جيلي الذي يستطيع اليوم أن يربط بسهولة بين السيد درويش، ومحمد عبدالوهاب، وفيروز، والشيخ تولالي، والشيخ العنقة، وعلي الرياحي، والشاب خالد، ومامي، ونجاة عتابو، وعدوية، ... وغيرهم، كما يستطيع أن يربط بين موزارت، وبيزيت، وشارل أزنافور، وبراسنس، وجاك بريل، وميشيل طور، ولارا فابيان، وستينغ، وسيلين ديون، ... وغيرهم، لكن في الأجيال الجديدة. هناك ذاكرة إنسانية عميقة تصنع الذوق، وتعطيه معناه، وقد لا تعترف بالفواصل الوهمية التي فرضها العصر، لكن ما يحدث اليوم في مجتمعاتنا العربية خطير؛ لأنه متعلّق ليس فقط بالذاكرة، ولكن أيضًا بنقيضها. هناك استئصال كُلِّي لكلِّ ما يجعل عصرنا إنسانيًّا، وغنيًّا، وعطوفًا، وراقيًا. نعيش في محيط يُصنع بالحروب الداخلية والخارجية، ولا يملك غير ذلك. وكأنَّ مآل البشرية هو الموت، وانتظاره الدائم. مجتمعات عاجزة عن إنتاج الحياة. حتّى أنه اليوم يتمّ تصنيع الموت بافتراض الحروب الوطنية، أو العرقية، أو الدينية، وحتّى الديمقراطية منها. أو بتصنيع ذلك في المخابر المدرسية بقصدية أو بدونها، حتى يستمر الموت، ويجد مَن يرثه، ومن يحمله، وتزدهر سوق السلاح التي شهدت كسادًا كبيرًا في السنوات الأخيرة. حتّى في الاحتفالات نسعد بالاحتفالات الوطنية للحروب التي خضناها بشجاعة، وبسالة، ونحتفي بعدد القتلى، ولا نحتفل بالسعادة. كل الاحتفاليات الموسمية المرتبطة بالفصول، والأمطار، والمولد النبوي، ... وغيرها بدأت تندثر. وكأننا لا نرتاح إلاَّ فيما يعيد ذاكرة الموت إلى الواجهة. وكأنّ علينا أن نحتفي بالفناء بدل الحياة. من حقّنا أن نحتفل بثوراتنا، ومن حقّنا أكثر أن نسأل عن مآلات هذه الثورات العظيمة، التي لم تكن في النهاية إلاَّ نتيجة طبيعية للأجيال السابقة، من أجل استعادة حق الحياة والحرية. ولا تبقي هذه العقلية الجافة إلاّ ما هو آني وحاضر، وكأنّ الحياة التي نعيشها لا تمنح وقتًا لصناعة ذاكرة حيّة، وكأنّ كلَّ ذاكرة هي خطر على الاستمرارية التي أنشئت لنا من غيرنا. هل الذاكرة مضادة للحياة والحداثة؟ هل يمكن تأسيس شيء ما في ظل حداثة معطوبة، أو في ظل الفراغ؟ أرى ذلك، وأنا أتأمّل محيطًا عربيًّا ثقافيًّا شابًّا يبدو له عبدالوهاب، أو سيد درويش، أو الشيخ العنقة، أو عبدالهادي بلخياط، أو محمد حمزة، شيئًا هلاميًّا غامضًا، كائنات شبه فضائية لا تُذكر إلاَّ نادرًا. ربما سمع والده يُدندن شيئًا من ذلك، أو أمّه تتحدَّث بحماس عن أم كلثوم، أو أسمهان. لكن في كل الأحوال لا يعني له ذلك أيّ شيء أبدًا. ذوقه المُصنّع منحصر في موسيقى الراي، والروك، والآر إن بي، وكلّ ما يمنحه له (mp3) من أغانٍ أصبحت تُعدُّ بالآلاف، وليس له الوقت لسماع غيرها. وينسى أن لهذا الراي -مثلاً الذي يُحبه ويغرق في موسيقاه- شيوخًا أوائل. أغلب ما يُغنَّى اليوم مسروق منهم بلا حق، من الشيخة الرميتي، والشيخة حبيبة، والشيخة الجنية، وروّاد فن القبلي كالشيخ المدني، والشيخ حمادة، وأن سيد درويش، ومحمد عبدالوهاب، ولورداكاش يتخفّون في ذاكرة أم كلثوم، وفيروز، والرحابنة، وفنانين كثيرين. مشكلة الربط بين عناصر الذاكرة الفنية مهمّة وخطيرة في الآن نفسه. وجود الحلقات المفقودة يجعل من التاريخ الفنيّ العربيّ، والتاريخ العام لا يؤثّر في أحد؛ لأنّه يفتقد إلى الوحدة. الوحدة واللُّحمة الثقافية الجامعة، وغياب اللُّحمة يجعل من البلدان العربية جزرًا غريبةً عن بعضها البعض، وفي البلد الواحد هناك عزلة للأجيال، إذ بدل التماهي في بعضها البعض لإنجاز نموذجية مستمرة في الزمان والمكان، تحدث القطيعات المؤدّية إلى التمزّقات الكبيرة. في الحروب الوطنية والقومية الواسعة ندافع عادة عن هذا الشيء الغامض الذي فينا، والذي نكسبه من هذا التماهي الغريب والحي الذي تدخل فيه هذه العناصر التكوينية المتنوّعة والكبيرة مجتمعة. والخوف الكبير هو أن ينتفي يومًا هذا التماهي، ليصبح كل واحد يدافع عن مساحة ضيّقة اسمها الأنا. الأنا الخاصة جدًّا، والصغيرة، والضيقة التي لا شيء يُرجَى من ورائها سوى وَهَم العَظَمة، الذي سرعان ما يتلاشى كزبد البحر؛ عندما تكنس التحوّلات العاصفة عالميًّا كل شيء هش في طريقها. المحزن جدًّا هو أن الوطن العربي ليس كيانًا فقيرًا، ولكنه أرض الغنى والتعدد، والنور والتاريخ والمعرفة، التي يحتاجها الجميع لمواصلة الحياة على وجه الكرة الأرضية.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store