Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

جدّة المستجدّة

استقبلتنا التراحيب ونحن نعبر بوابة الزمن إلى ماضٍ عاد ينبض بالحياة، غنّوا لنا حين دخلنا «حبا حبا باللي جاء..»، فأشعرني دفء الاستقبال بالقرب والحميمية، لكنّني استهجنته فجأة، إذ كان من الواجب أن أكون في

A A
استقبلتنا التراحيب ونحن نعبر بوابة الزمن إلى ماضٍ عاد ينبض بالحياة، غنّوا لنا حين دخلنا «حبا حبا باللي جاء..»، فأشعرني دفء الاستقبال بالقرب والحميمية، لكنّني استهجنته فجأة، إذ كان من الواجب أن أكون في صفوف المرحبين، فأنا من أهل البيت، والقادمون إليه ضيوفي. حزّ في نفسي أن أحلّ ضيفة على مكان ولدتُ وعشتُ فيه سنوات تكويني وتشكيلي، مكان أعرفه معرفتي لذاتي، وألتصق به كوني جزءًا منه.
سرنا مبتهجين، ومنبهرين بمظاهر الإحياء الرائعة، لكنّنا كنّا دون وعي منا نبحث عمّا أضعناه، وعمّا اشتقنا إليه، أشياء كثيرة كانت هناك، وأشياء كثيرة لم نجدها: فاجأنا وأسعدنا مقدار تعلّق الناس بماضيهم، ورغبتهم الجادّة في التمسّك به وإعادته، الجيل السابق كان منسجمًا مع فعل التجديد، ولم ينزعج من الفوارق والنواقص، بل والزيادات، والجيل الحالي كان متفاعلاً بحيوية مع تراث أجداده، ومتحمسًا للتعامل مع هذه الكنوز التي تتفجر أمام عينيه، وكم كان رائعًا أن ترى كيف تسرب الماضي إلى إبداعات الحاضر، فظهر في فنون التصوير المبتكرة واللوحات المرسومة بعناية وحرفية، وفي المؤلّفات والأغاني والرقصات والأزياء.
تسلّلت أوجه الماضي الذي يبدو أن كلَّ مَن سكن الحواري الجداوية قد حمل منه أجزاء حافظ عليها بروحه، وأعادها إلى فضاءاتها القديمة؛ ليشارك بها في مهرجان (كنّا كدا 3)، كل المقتنيات الخاصة تزاحمت في مقاعد البيوت المتجدّدة وتنافست في تحويلها إلى متاحف ثرية. كل الأزياء خرجت وارتداها باعتزاز شباب وشابات شهدوا بانتمائهم إلى هذا المكان العتيق. كل المأكولات الجدّاوية بقيت في المطابخ الحديثة، واستطاعت أن تقاوم غزو البيتزا، والهمبرجر، فأعيد إنتاجها في المهرجان بأيدي أبناء وبنات البلد.
إعادة الإنتاج كانت صفة بارزة في مهرجان جدّة الأخير، فالبوابة الرئيسة، والحارة التي تقف خلفها قد تمَّ بناؤها، وتغطية أرضها بالتراب الأبيض الناعم، الذي عُرفت به جدّة زمان، وفي أرجاء تلك الحارة توالت المشاهد الدرامية لمظاهر الحياة القديمة، ليس بطريقة عرض ثابتة ومملّة، ولكن بتحريك الشخوص، وانهماكهم في أدوار ومحادثات تشبه كثيرًا أسلوب التعايش القديم في الحارة، فيتفرج المرتادون وهم في وسط المسرح المفتوح.
كانت السعادة والبهجة مصاحبتين لمسارات التجوّل في الحواري، وكثير من المحادثات بين مَن عاصر الحياة في وهجها الطبيعي كانت تتعجّب من كل تغيير طرأ على الأماكن، وأساليب العيش القديم، كانت الفرحة عارمة بأن تستعيد جدّة القديمة تألّقها ورونقها، أن يتزاحم أهلها ليعيدوا لحواريها الصامتة القاتمة نورًا وصوتًا، ودعسات أقدام على جدارية (رجعوا لها)، وقف أهل جدة يبحثون عن أسماء عوائلهم، ويكتبون أسماءهم ليعلّقوها عن كل اسم. وكانت القلوب في درب الرجوع مجروحة بسكين الذكريات: الفارق كان كبيرًا بين كدا كنا، وبين هنا كنا، بين أن تعيد إحياء الذي كان، وبين أن تعيش كل الذي كان. الذين عاشوا في قلب جدّة مراحل مهمّة من حياتهم لم يستطيعوا مقاومة التنهدات الثقيلة، ولا الدمعات النافرة، فقد حضرت أشياء كثيرة، في حين غابت أشياء كثيرة، وكل الذي غاب ما كان من الممكن إحضاره إلاّ في أنين الحسرة.
فعلاً هي جدّة المستجدّة، كما همست صديقتي زينب غاصب ونحن نعبر البوابة إلى زمن آخر. في مهرجانها المبهج تظهر جدّة جميلة في هيئتها الجديدة، وقد استردّت شيئًا من بهائها، لكنها كعادتها تظهر (غير). الماضي، كما يعلّمنا القائمون على إحيائها، والاحتفال بها، ليس خرقة بالية نرميها في مزابل التاريخ، بل الماضي هو روح المستقبل، والدافع بالحياة إلى الأمام المتجدّد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store