Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

حقبة ترويض طهران

قبل اثني عشر عامًا كانت الولايات المتحدة تريد شهادة من د.محمد البرادعي أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تفيد بضلوع العراق في برنامج يستهدف امتلاك سلاح نووي، لكن البرادعي أنتج شهادة متلعثمة، لا

A A
قبل اثني عشر عامًا كانت الولايات المتحدة تريد شهادة من د.محمد البرادعي أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تفيد بضلوع العراق في برنامج يستهدف امتلاك سلاح نووي، لكن البرادعي أنتج شهادة متلعثمة، لا تبرّئ العراق، ولا تدينه، قدّمها إلى مجلس الأمن الدولي، ما أجبر واشنطن ولندن على خوض الحرب ضد العراق، دون غطاء دولي.
واليوم تترقّب طهران الحصول على شهادة من نوكيا أمانو أمين عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تفيد بوفاء طهران بالتزاماتها الواردة في الاتفاق النووي بينها وبين مجموعة (٥+١)؛ ليحصل الإيرانيون بعدها على عشرات المليارات من الدولارات من أرصدتهم المجمّدة في الخارج. وأغلب الظن أن إيران سوف تحصل على شهادة أمانو -ربما خلال ساعات- ليتفرّغ بعدها الإيرانيون لحصر عشرات المليارات من دولارات أرصدتهم المجمّدة بالخارج، وعوائدها على مدى أكثر من ثلاثين عامًا.
هل ثمّة دلالة للترتيب الزمني لإغراق العراق في الدم، ثم إغراق إيران تحت مليارات الدولارات العائدة؟!.
هل كان غزو العراق قبل اثني عشر عامًا شرطًا ضروريًّا، لا يمكن بدونه رفع العقوبات عن طهران؟!.
هل كان تمكين طهران من الهيمنة على العراق، واستباحته، مقدّمة ضرورية لتمكينها لاحقًا من استرداد عشرات المليارات المجمّدة في الخارج؟!.
ما هي وظيفة المليارات العائدة إلى طهران، في هذا الظرف الإقليمي العاصف، بينما تخيّم أجواء حروب طائفية، وعرقية على الإقليم، انطلاقًا من العراق وسوريا؟!.
هل ثمّة مَن استعد في الغرب لحقبة «خريف النفط» بخطط لحرق فوائضه المالية؟!.
هل هناك في الغرب من خطط لتدشين ما يسمّونه الحقبة الإيرانية في الشرق الأوسط؟!.
تعرف الولايات المتحدة أن لدى شعوب وحكومات دول مجلس التعاون الخليجي مخاوف حقيقية مصدرها تهديدات إيرانية مباشرة لأمن تلك الدول، عبّرت عن نفسها مرارًا قبل أن تتحوّل إلى حروب على الأرض، تطوّق الجزيرة العربية من أطرافها (العراق وسوريا شمالاً، واليمن جنوبًا)، عدا تهديدات مستمرة للبحرين في الشرق.
لكن ثمّة في الغرب مَن يرى أن الخليج الخائف أكثر نفعًا من الخليج المطمئن، وأن الاستثمار في تجارة المخاطر والتهديدات التي تستهدف دول الخليج العربية، يحقق عوائد مؤكّدة، تساعد حتمًا في تمكين الغرب من اجتياز أزمات مالية تعصف باقتصاده.
مشهدان رمزيّان رافقا الحديث عن عودة المليارات إلى طهران، أظنُّ أنَّ لكلٍّ منهما دلالته.
المشهد الأول: جسَّده وزير الخارجية الأمريكية جون كيري، الذي حرص بنفسه على إعلان أن أوّل الأموال العائدة إلى طهران، ستكون من الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أربعمئة مليون دولار، هي أصل رأس المال الإيراني المجمّد لدى واشنطن، قبل أكثر من خمسة وثلاثين عامًا، وألف وثلاثمئة مليون دولار هي عوائد هذه الأموال المجمّدة!!
المشهد الثاني: جسَّده إعلان طهران اعتزامها شراء مئة وعشر طائرات لحساب الخطوط الجوية الإيرانية من شركة إيرباص الأوروبية (ألمانية، فرنسية، إيطالية، بالأساس) في صفقة تتجاوز قيمتها عشرة مليارات يورو.
عودة المليارات إلى طهران.. سوف تطيل أمد الصراع الإقليمي بين إيران، وبين جيرانها العرب، وقد تغري طهران بمزيد من التورّط في شؤون المنطقة، ما سوف يُفاقم من المخاطر والتهديدات، فضلاً، عن تعزيز قدرة طهران على إثارة المزيد من المتاعب لجيرانها في الإقليم، ولعلّ هذا هو ما حمل بعض المراقبين في الغرب إلى الحديث عمّا وصفوه بـ»الحقبة الإيرانية» في الشرق الأوسط، هكذا يتصوّرون الأمر من وجهة نظرهم، وإن كنت أرى أنها «حقبة ترويض طهران».
عملية «ترويض طهران» قد تقتضي حسمًا أسرع في ساحات الصراع الإقليمي معها، يستبق ظهور أموالها في مسارح العمليات بالإقليم، وتستدعي تحرّكًا ميدانيًّا، وعملياتيًّا، وسياسيًّا للإسراع بطي ملفات صراعات مفتوحة، فإيران المنتعشة ماليًّا سوف تسعى لاستدامة الصراع، وربما إلى توسيع نطاقه الجغرافي أيضًا.
عملية «ترويض طهران» تقتضي أيضًا إعادة ترتيب الأوراق داخل النظام الإقليمي العربي، وفقًا للوزن النوعي الحقيقي، وليس العارض لكل دولة، وفق معادلات تتّسم بالدقة، وبالكفاءة.
تقتضي عملية «ترويض طهران» كذلك، بناء شبكة تحالفات دولية جديدة، تستوعب حقيقة الانكفاء الأمريكي، وعزوف واشنطن عن تحمُّل مسؤولياتها التاريخية عن أمن الإقليم، بعدما تراجعت دوافعها للحضور المباشر، فيما تتّجه بكلّيتها إلى الشرق الأقصى.
إيران المنتشية بعودة المليارات، وباعتراف دولي بدورها الإقليمي، خطر لا يمكن تجاهله، ولا يمكن القضاء عليه، لكن جراب السياسة لا يخلو من الحلول، «التعايش» أحد هذه الحلول، و»الترويض» إحدى أدوات هذا التعايش، لكن «منظومة القوة» تظل هي أكثر الأدوات فاعلية لإدارة تلك العلاقات.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store