Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

يوم أن حجبت روما تماثيلها

مَن كان يُصدِّق أن يومًا سيمر على روما، مدينة الفن والجمال التي تباهي العالم بلوحاتها ومنحوتاتها الرائعة، تتنازل فيه وترضخ لفكرة تغطيتها؟

A A

مَن كان يُصدِّق أن يومًا سيمر على روما، مدينة الفن والجمال التي تباهي العالم بلوحاتها ومنحوتاتها الرائعة، تتنازل فيه وترضخ لفكرة تغطيتها؟ آثار عصر النهضة التي يُفاخر بها كل أوروبي ويعتبرها شاهدًا مهمًا على حضارته وتنويرها؛ أصبحت في يومٍ واحد مرفوضة ولا أخلاقية.
كيف حصل هذا التحوُّل في سلم القِيَم الحضارية والجمالية؟ ما هو الدافع وما هو الغرض؟.
خلال رحلة الرئيس الإيراني حسن روحاني لإيطاليا في أواخر يناير الماضي، زار متحف كابيتوليني العتيق الذي يعود تاريخه إلى 500 عام، والذي يحتوي على أعمال فنية وتماثيل رومانية قديمة.
وخلال الزيارة اكتشفت وسائل الإعلام الإيطالية أن التماثيل لم تكن ظاهرة للعيان، وأن تلك التحف الرخامية لم تُسدل عليها ستائر مخملية ولا أغطية حريرية، بل حُجبت تمامًا خلف حواجز خشبية جافة وباردة.
كان من الواضح أن الحكومة الإيطالية قد نفذت طلب الرئيس روحاني بعدم رغبته في النظر للتماثيل العارية، أو حتى ظهورها معه في الصور التي ستُلتقط له.
أو ربما كان قرار التغطية احترازيًّا قائمًا على حرص الحكومة الشديد على مراعاة أحاسيس الرئيس روحاني وعدم إحراجه أو استثارة مشاعره السلبية.
لكن حادث تغطية التماثيل لم يمر بسلام، واتضح فورًا أن دلالاته الرمزية لها عمق كبير في نفوس الإيطاليين، وسرعان ما هدرت أصواتهم بانتقاداتٍ حادة.
ظهر التوتر الشديد والانزعاج في الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي حتى وصل ذروته على تويتر من خلال هاشتاق #statuenude الذي صب فيه المغردون جام غضبهم على المسؤولين ورفضوا حجب التماثيل كمظهر خضوع ثقافي وأيدولوجي مهين.
وتوالت التعليقات تُكرِّر أن احترام ثقافة الضيف لا تعني نفي ثقافة المُضيف، وأن الاستسلام لحساسيات زعيم أجنبي لا يعني إنكار حقيقة المواطن.
وكتب أحدهم: «نحن لا نخجل من تراثنا الفني، وهذه دولة تخصي نفسها لإرضاء زائر لأرضها فلا تريد جرح إحساسه فتجرح شعبها».وكتب آخر: «إنجازات عصر النهضة جزء مهم من الهوية الرومانية، وإخفاؤها خيانة لهويتنا».تنبّه الإيطاليون إلى ضرورة أن يكون هناك حد فاصل بين كرم الضيافة وإلغاء الثقافة، وعلى الضيف أن يتكيف مع الثقافة المحلية ويقدّرها، لذا فلا يجب أن تنحني إلى الخلف ليكون راضيًا عنها.
وهذا ما يحدث لكثير من الأوروبيين عند زيارة إيران أو غيرها من البلدان، فهم يلتزمون بقوانينها ولا يرفضون مظهرًا من مظاهرها، ونساؤهم يلبسون غطاء الرأس علامة على احترامهن للثقافة الإسلامية، فلماذا يُطلب منهم التفّهم والتكيّف مع معتقدات الآخرين حتى وهم يزورون أراضيهم.
كانت هذه دائمًا حكمة الرومان التي علّموها للعالم: «عندما تكون في روما، فافعل ما يفعله الرومان»، فما بال الرومان أنفسهم يعكسونها اليوم ويفعلون في روما ما يفعله الفرس؟!
الجواب ببساطة أن أحفاد مايكل أنجلو وليوناردو دافنشي لا يجدون غضاضة في التخلي عن كل المثاليات الانسانية والأسس الفنية الراقية من أجل بلايين الدولارات التي يحملها الرئيس الإيراني إليهم.
لم يكن هذا هو وقت الانتصار للفن ولا لتاريخه ولا لقيمه الجمالية، بل كان وقت التوقيع على اتفاقيات اقتصادية كبرى، فإيران التي رُفعت عنها العقوبات الدولية عادت إلى التعاملات المالية العالمية؛ وقد تضخّمت أرصدتها بالبلايين المجمّدة، وإيطاليا دولة تعاني من البطالة والعسر الاقتصادي وبحاجة ماسة إلى توقيع عقود مع إيران بمبلغ ضخم يصل إلى 17 بليون يورو.
ومن روما إلى باريس وباقي المدن الأوروبية التي تنتظر دورها من المكاسب، وإن خضعت لمطالبات سخيفة بحواجز خشبية تافهة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store