يذكرني أداء السياسة الأمريكية في العام الرئاسي الأخير لكل رئيس أمريكي، بأداء بعض مخرجي الدراما العربية الرخيصة، الذين يستيقظون فجأة على حقيقة أن المسلسل يجب أن ينتهي، وأن الحلقة الأخيرة قد داهمتهم، فيتسارع عندهم إيقاع الحلول السحرية، والنهايات السعيدة، ليعود الغائب، وتنجب العاقر، ويتزوج العاشقان، ويسقط الشرير في قبضة العدالة، كل ذلك هكذا في توقيت متزامن، وبإيقاع ساذج، مصحوب بابتسامات باهتة.اعتاد الأمريكيون، أن يصفوا رئيسهم، في عامه الرئاسي الأخير بأنه «بطة عرجاء»، أي لا يستطيع الحل أو الربط، لكن عام أوباما الأخير، يختلف بعض الشيء عن أسلافه في البيت الأبيض، هم كانوا يتحوّلون «اضطرارياً» إلى بطة عرجاء في العام الأخير، أما هو فقد سعى أو اختار أن يكون بطة عرجاء منذ ٢٠ يناير ٢٠٠٩.فاز أوباما بالرئاسة الأمريكية، مدفوعاً بخطايا جورج بوش الابن، في العراق وأفغانستان، وعلى رأس برنامجه الانتخابي، وعود بالانسحاب والانزواء، والكف عن التورط في قضايا العالم بالشكل والأسلوب الذي انتهجه بوش الابن.فوز أوباما بالرئاسة، بات يعني أن الناخب الأمريكي، يريد رئيساً يُخرج أمريكا من المستنقع في أفغانستان والعراق، وكان لابد من خطاب سياسي أمريكي مُغاير، يُوفِّر غطاءً أخلاقياً وسياسياً لانسحابات وتراجعات أمريكية لاحقة، وهو ما قدمه أوباما «الخطيب المفوّه» تحت عناوين تبنى فيها التفاوض، وبناء التحالفات، أساساً لسياسته الخارجية (الانسحابية).وحين داهمت واشنطن بعض أحداث ثورات ما سُمِّي بالربيع العربي، وحانت لحظة الاختيار، انحاز أوباما إلى أدوات السياسة، ونأى بنفسه عن أدوات الحرب، مكتفياً بدفع حلفائه إلى ساحاتها، وهو ما تجلَّى بوضوح في حالة ليبيا حين اكتفت واشنطن بـ«القيادة من مقعد خلفي»، (leading from behind) ثم اضطرت إلى تحوير طفيف للسياسة، بالانتقال إلى قاعدة «الشراكة الأمامية» التي يقفز الرئيس الأمريكي بموجبها من المقعد الخلفي إلى المقعد الأمامي بجوار السائق، لكنه أيضاً لا يتورط بصورة مباشرة في القيادة.هكذا أدار أوباما قضايا العالم، بقدم واحدة في المشكلة، وبقدم أخرى خارجها، وبسبب هذا التردد العاجز، استشعر من التحفوا بغطاء واشنطن الاستراتيجي الخطر، واضطروا إلى بناء سياسات وتحالفات بديلة، تتيح لهم، غطاء قد يكون أقل كفاءة، لكنه أعلى التزاماً وأقل كلفة.الإدارة بقدم واحدة، جعلت واشنطن عرجاء طوال سنوات أوباما، وفي عامه الأخير، وبينما يريد الرئيس المثقف الليبرالي تبييض صفحته، فإنه يبدو كأحد مخرجي الدراما العربية (الرخيصة) في الحلقة الأخيرة من أحد مسلسلاته، إذ يستعجل النهايات السعيدة لكل شيء، حتى وإن كانت غير مقنعة، أو غير كفؤة، أو غير فعَّالة، هكذا يشير المشهد في الملف السوري، وفي الملف النووي الإيراني، وحتى في الملف الليبي المُرشَّح لتصعيد درامي يسبق حفل مغادرة أوباما للبيت الأبيض. بينما يُحذِّر كل من جيمس جيفري وسونر كاجبتاي -وهما باحثان بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدني- مؤسسات القرار الأمريكي في مقال أخير لهما، من أن انحسار الدور الأمريكي بالشرق الأوسط في عام أوباما الأخير سيدفع حلفاء واشنطن في المنطقة إلى تبنِّي سياسات تتسم بالمغامرة، وقد تُعرِّض مصالح واشنطن للخطر، ما قد يضع خليفة أوباما أمام خيارات صعبة في عامه الرئاسي الأول.على مدى ثماني سنوات رئاسية، ظل أوباما وفيًّا لأفكاره، مُلتزماً بوعوده لناخبيه، بإنهاء التورط الأمريكي في الشرق الأوسط، وبالانسحاب من أفغانستان والعراق، لكن التكلفة الاستراتيجية لوعود أوباما ولوفائه بها، قد تُجبر واشنطن لاحقاً على خوض صراعات أعلى كلفة، لإنقاذ بعض ما تبقى من مصالح استراتيجية.خطط بناء الشرق الأوسط الجديد، لم تفشل بسبب خصوم واشنطن، بمقدار ما فشلت بسبب حلفاء لها في المنطقة، لم تناسبهم خرائطها، وربما مثلت تهديداً لهم في العمق، وفي ظنِّي فإن أي خرائط جديدة للإقليم لن تعكس رؤية واشنطن، بمقدار ما ستعكس قدرات حلفائها وخصومها في الإقليم.
انتبهوا.. أمريكا تدير العالم بقدم واحدة!
تاريخ النشر: 05 فبراير 2016 00:07 KSA
يذكرني أداء السياسة الأمريكية في العام الرئاسي الأخير لكل رئيس أمريكي، بأداء بعض مخرجي الدراما العربية الرخيصة، الذين يستيقظون فجأة على حقيقة أن المسلسل يجب أن ينتهي، وأن الحلقة الأخيرة قد داهمتهم، في
A A


