تنوّع مصادر المعرفة واتّجاهاتها نتيجة حتميّة لتنوّع وعاء الخطابات، كما أنّ تنوّع أساليب الخطابات هو الأداة الأساس لبؤر الصّراعات والمشكلة لها؛ سواء كانت دينيّة، أو فقهية، أو سياسيّة، أو اجتماعيّة.
تلك حقيقة ينبغي التّسليم بها حال دراسة أيّ صراع ما بين أي طرفٍ من الأطراف المتنازعة، وهذا التنوّع كثيرًا ما يولّد صراعًا يطول، أو يقصر حتّى على مستوى الأفراد في مجالسهم العامّة؛ ولذلك فإنّ الخطاب، والخطاب وحده؛ هو ما يمنح جوهر التّمايز بين المتصارعين، كما أنّ الوعاء المعرفي هو ذاته ما يقرّب، أو يباعد ما بينهما.
فإذا كان الخطاب في أقلّ درجة مفاهيمية هو «كلّ كلام تجاوز الجملة الواحدة، سواء كان مكتوبًا أو ملفوظًا»؛ فإنّه في الواقع يتجاوز كما في الجوهر ذلك المفهوم السّطحي إلى شبكة معقدّة من العلاقات الاجتماعيّة، والسياسيّة، والثقافيّة، التي تبرز فيها الكيفيّة التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر في الوقت نفسه -حسب مفهوم مشيل فوكو-. إنّه كما يعبّر جابر عصفور «حقل فعّال من المشاغل والاهتمامات والتّوترات والصّراعات والمتناقضات التي تكشف عن تنظيم المجتمع ومؤسّساته وأبنية القوى وأدورها المضمّنة».
وعلى هذا فإنّ؛ لكلّ خطاب بنية محدّدة تختلف كثيرًا أو قليلاً عن بنيّات الخطابات الأخرى، و»هذا البنية قد تتميّز بعناصر تنفرد بها عن الخطابات بعناصر تشترك فيها مع خطابات أخرى»، ولهذا يميّز كثير من الباحثين بين مجموعة من الخطابات؛ كالخطاب الفقهي، والخطاب الفلسفي والاجتماعي، والخطاب الثّقافي.
فالخطاب الفقهي كما يشير الباحث زكي العليو في كتابه (المثقف.. مداخل التعريف والأدوار) يختلف عن الخطاب الثقافي؛ فالأوّل يشتغل بالنّظر للنّصوص الدّينيّة من أجل استنباط الحكم الشرعي، ويفترض فيه الاجتهاد في فهم الواقع أيضًا، وهو يمارس النّقد على مستوى الآراء الفقهيّة الأخرى، بينما الخطاب الثّقافي يشتغل على الفكرة والوعي والنّقد اللذين لا ينحصران فقط في مسائل دون أخرى، فهي أوسع من المسائل الفقهيّة حيث تشمل التاريخيّة، والسياسيّة، والاجتماعيّة، ومن ثمّ فهناك مجالات يختلف فيها الخطاب الفقهي عن الخطاب الثّقافي.
وينقل العليو رأي حسن حنفي في تحديد مفهوم الخطاب الدّيني بوصفه خطابًا عموميًّا؛ لأنّ الخطاب الدّيني خطاب سلطوي أمري تسليمي إذعاني، يطالب بالإيمان بالغيب وبالعقائد، يقدّسه النّاس، ويعتمد في جوهره على سلطة النّص أكثر من اعتماده على سلطة العقل.
أمّا الخطاب الفلسفي فينزع إلى خطاب عقلي برهاني، يقبل الحوار والرأي، والرأي الآخر؛ لأنّه قادر على التّعميم والتّجريد والصّيغ النظريّة للقوانين، كما أنّه إنساني النزعة متفتّح على الحضارات الأخرى.
في حين يهدف الخطاب الاجتماعي-السياسي على التّرابط الاجتماعي، ويعدّ الصّراع أحد أهم مظاهره، يبدأ بالمجتمع ويصدر عنه، ويسعى إلى التّأثير في الناس وتوجيههم، ويكشف عن صراع الأهواء والمصالح والإرادات والقوى الاجتماعيّة، والتّنظيمات السياسيّة في حراك اجتماعي.
أمّا الخطاب الثّقافي فيقوم -بتعبير عليو- على القبول بالتّعدديّة، والتّسامح، واحترام الآخر، والانفتاح على الإنسانيّة دون قيود أو شروط، فهو متجاوز للبيئة التي يعيش فيها، مشتغل على الفكرة، لا يقبل التّحالف مع من يختلف معه في وجهة النّظر، غير أنّ الخطاب الثّقافي يعتوره بعض الجوانب السّلبيّة؛ كالنّزوع بصاحبه إلى التّعالي والمثاليّة غير المبررة.
إنّ أساس القطيعة بين المثقف أو المفكّر والفقيه -مثلًا- حسب رأي المفكر يحيى محمد- إنّما يعود إلى الاختلاف الحاصل بينهما على صعيد المصدر المعرفي، فما يتولّد عن النّص هو غير ما يتوّلد عن الواقع، وإنّ مدّ الجسور بينهما يستدعي تأسيس أحدهما على الآخر، وهو ما يعمل عليه كلّ من المفكر الدّيني والفقيه، ولكن بطريقة مغايرة. فبينما يقوم الأخير بتأسيس فهم الواقع على النّص؛ يخالفه الأوّل بالعمل على العكس، رغم أنّهما يتّفقان على أنّ النّص والواقع كلاهما يمثلان كتابين لله تعالى؛ تدويني وتكويني.
تنوّع مصادر المعرفة: صراع الخطابات
تاريخ النشر: 12 فبراير 2016 01:28 KSA

تنوّع مصادر المعرفة واتّجاهاتها نتيجة حتميّة لتنوّع وعاء الخطابات، كما أنّ تنوّع أساليب الخطابات هو الأداة الأساس لبؤر الصّراعات والمشكلة لها؛ سواء كانت دينيّة، أو فقهية، أو سياسيّة، أو اجتماعيّة.<
A A


