Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

وزارة الثقافة وممارساتنا الثقافية!!

ممارسات الشعوب الثقافية والتحولات التي تطرأ على هذه الممارسات تكاد تكون الشغل الشاغل لبعض الدول التي تعتقد أن العمل الثقافي هو أحد المحركات الأساسية للتنمية، وهو الرافد الذي تتكئ عليه أية سياسة حضارية

A A
ممارسات الشعوب الثقافية والتحولات التي تطرأ على هذه الممارسات تكاد تكون الشغل الشاغل لبعض الدول التي تعتقد أن العمل الثقافي هو أحد المحركات الأساسية للتنمية، وهو الرافد الذي تتكئ عليه أية سياسة حضارية جادة. وتلجأ هذه الدول لمعرفة حالة الممارسات الثقافية الى إجراء دراسات ميدانية شاملة ولا تقتصر على منطقة أو إقليم دون آخر. وغالباً ما تمنح هذه الدراسات المهتمين بالشأن الثقافي مؤشرات دقيقة على تقدم وتقهقر الممارسات الثقافية، وبالتالي علاقة هذا التقدم والتقهقر بالتغيرات التي تطرأ على حياة الشعوب، بالإضافة الى تتبع وملاحظة الدور الهام والمفصلي للثقافة الجيلية (تعاقب الأجيال)، وتأثير ذلك على الممارسات الثقافية.
والتساؤلات : ما مدى حضور هذا النوع من الدراسات في مجتمعنا ؟ وهل هناك مؤشرات لدى الجهات المعنية ولدى وزارة الثقافة على وجه الخصوص على علاقة المجتمع بالقراءة ؟ وما طبيعة وأسباب التحولات التي طرأت على هذه العلاقة ؟ ما طبيعة علاقتنا مع الآداب والفنون ؟ ما هي علاقتنا مع المتاحف وما الظروف التي تكتنف هذا المكون الهام من حياة الشعوب ؟ ما هي علاقتنا بالمسرح وما الدور الذي قام ويقوم به هذا المكوّن الثقافي في مناقشة قضايانا وأسئلتنا المُلحَّة؟
من يحاول أن يقرأ ولو بطريقة عابرة سيرة المشهد الثقافي في المملكة يجده يدور، إجمالاً، في فلك ثلاث مراحل وأجيال تعاقبت عليه، ثلاثة أجيال باعتبار أن عمر الجيل من عشرين الى ثلاثين سنة؛ فهناك جيل البناء الثقافي، والذي تخلله محاولات جادة نحو جعل الثقافة إحدى المحركات الأساسية، وكان من الواضح أن الدولة والمجتمع حريصون بشكل عام على تفعيل العلم الثقافي؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر كان التعليم يعي دوره الثقافي، وكانت الممارسات الثقافية حاضرة في المدرسة من خلال المسرح والفنون الملائمة لقيم هذه البيئة؛ وما أجمل الذكريات في المدرسة الابتدائية في حائل (الوجدان) وفي مدرسة حمزة بن عبدالمطلب في قرية قصر العشروات؛ تلك القرية التي تعانق جبال أجا، عندما كنا نصحو على صوت عبدالباسط، وفي نفس الوقت كان أستاذ النشاط يدعو القرية من وقت الى آخر لحضور إبداعاته الثقافية المتنوّعة، والجميع متديّنون ، وفرحون جداً.
بعد ذلك أتت مرحلة ما يمكن أن نسميه جيل الفراغ الثقافي وذلك مروراً بمنعطف (1400) الشهير، امتدت هذه الفترة لسنوات طويلة، انحسر فيها العمل الثقافي وضاقت عليه الأرض بما رحبت. ضاق الوطن على من يريد أن يمارس العمل الثقافي، وسُلّط سيف الذنب والخطيئة (من دون أدنى وجه حق ودليل راسخ) على معظم الممارسات الثقافية، واختلط الحابل بالنابل، وانحسرت الخيارات أمام الشباب بشكل مخيف، الى درجة أن بعض الشباب قد يتخرج من الثانوية العامة ولم يشارك أو يحضر فعالية ثقافية واحدة جادة. وبقية الحكاية معروفة...
المرحلة الثالثة جيل المقاومة الثقافية، والتي تتجسد في بعض المبادرات الجادة التي نلاحظها اليوم، وترمي الى المصالحة مع العمل الثقافي، ومنح الفرصة للشباب في تقديم إبداعاتهم؛ مع القول والإشارة والتكرار الى أن أية مشروع يهدف الى الصعود بالعمل الثقافي لن (وهذه قطعية مع الاعتذار عن حدَّتها) يُكتب له النجاح، ولن يصبح عملاً جاداً وفعّالاً من دون أن تحفّه مسئوليتان : مسئولية سياسية ومسئولية قانونية (تحمي العمل الثقافي)؛ فمن دون هذين العنصرين، أخشى ما نخشاه أن يتحول العمل الثقافي والمبادرات الثقافية الى جعجعة، بل الى نوع من أنواع المساحيق الضّارة والمقلدة.
ما أحوجنا اليوم إلى أن تقوم وزارة الثقافة، أو غيرها من الجهات المهتمة بالعمل الثقافي، بدراسات ميدانية ومعمقة لممارساتنا الثقافية على مستوى المملكة؛ وتطور هذه الممارسات واختلافاتها من منطقة إلى أخرى؛ ومن ثم إخضاع هذه الدراسات الى قراءة وتحليل نقف من خلالها على واقعنا الثقافي، ونشرع بطريقة مهنيّة وجادة في رسم (سياسة ثقافية) للمملكة العربية السعودية.
ولا يفوتنا القول إن :
- الطائفية تُفرّق، والثقافة تجمع.
- الفكر الأحادي يفرّق، والثقافة تجمع.
- العصبية تفرّق، والثقافة تجمع...
وللحديث بقية حول أبعاد أخرى للثقافة...
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store