* أكتب اليوم تحت وطأة وهنٍ جسدي يفتّ من عضدي، أستقبله محتسبًا أجر احتماله عند الله اللّطيف الحليم، ليقيني الرّاسخ أنّه من بعض ألطاف الله عزّ وجلّ الخفية عليَّ في عالم الأزل والغيب. ولئن كان الجسد بهذا الوهن الذي ذكرت؛ إلا أنّ ذاكرتي فوّراة بصور من الذكريات الماتعة، التي ترحل بي صورها المتتابعة من لحظة الحاضر المرهق، إلى عوالم ماضٍ جميل، وأيّام أحسّها الأكثر صفاءً ونقاءً.. كيف لا؛ وقد قضيتها بين بابي السّلام والباسطيّة في البلد الحرام. هناك.. حيث كنت -وما زلت- أحسب نفسي نزيلاً، أي ضيفًا كما يحلو للإخوة المكّيين أن يصفوا أويعرّفوا من يحلّ بينهم من مواطن أوحارات أخرى؛ فعزيزنا عبدالله روّاس يقرّ بأنّ جذوره من النّقا، ولكنّ هواه في الشّامية.
* حين جئت إلى مكّة المكرمة نزيلاً، وجدت دار رجل الفضل والإحسان الوالد عبدالله بصنوي وأخيه الأديب حمزة مفتوحة أبوابها أمامي، ومشرعة نوافذها ومتّسعة رحابها اتّساع نفوس أصحابها وسماحتهم وتهذيبهم. وكان «البصنوي» أكثر من عمدة، وأقرب إلى أن يكون أحد وجهاء مكّة المكرمة المتميزين في زمنه، الذي عاشه متنقّلاً بين حلقات المشايخ في حصوات المسجد، وبين مقام الأذان. وتقتضي بواعث التّدوين أن أذكر أنّ البصنوي -رحمه الله- كان على مدى نصف قرن من الزمن يختار عند رفعه للأذان تلك الأوقات التي تتطلّب انضباطًا وتضحية بأوقات الرّاحة التي يميل إليها الجسد الفاني، مثل صلاتي الفجر والعصر، فيتعب جسده بذلك ابتغاء لمرضاة الله تعالى، ومحبة في الخير، فإذا ما أتّم الأذان كأحسن ما يكون الأداء، قام يطوف بالبيت العتيق خافض الرّأس، مطمئن النّفس. وتلك سجية فيه وطبع غير متكّلف ولا منحول، فطوال عقدين من الزمن عايشتهما معه لم أشاهد منه ما يمكن أن يدخل في باب الزّهوبالنّفس اختيالاً، والاعتزاز بالذّات تكبّرًا. فعلى الرغم من شموخ قامته -رحمه الله- إلا إنّه لم يكن يتطاول بهذا وسواه على أحد؛ بل أزعم أنّه كان أحيانًا يسمع من البعض ما تكرهه النّفس، وتمجّه الأذن، فكان -بفضل ذكر الله الذي كان يجري على لسانه رطبًا نديًا- ينحاز بنبلٍ إلى ضبط النَّفس، وصون اللّسان في مواطن تقتضي الردَّ بالمثل عند سائر النّاس وعامتهم، لكنّه كان على النّقيض من ذلك؛ فما إنْ يمرّ به موقف من هذه المواقف إلا وتجده متظاهرًا بأنّه لم يسمع شيئًا من ذلك الهراء، راسمًا ابتسامة نفس طابت خلقًا فترفّعت سماحة عن الانتصار لذاتها في مواطن الغضب، بل ربّما يستبدل الابتسامة بدعابة أحيانًا مما يسمع، تجعل من سعى همسًا أوجهرًا لاستثارة غضبه وزعزة طبعه في سكينته ووقاره، يشعر بالخجل وتأنيب الضّمير، وهو في هذا المسلك يشبه أويقارب الشبه من شخصية، لم تواتيني أسباب الحياة أن أعايشها عن قُرب؛ هوالشّيخ الأديب محمّد سرور الصبّان؛ فلقد قدمتُ لمكّة المكرمة دارسًا في العام 1391هـ؛ وشاءت إرادة الله أن يرحل الرّائد الصبّان عن دنيانا في العام نفسه، بعد حياة حافلة وعامرة.
* في مجلس الشّيخ البصنوي بحيِّ الشّامية، ليس بعيدًا عن البازان، شاهدت شخصيات معروفة عديدة، يقصدونه زيارة ومودة وتواصلاً، أوطلبًا لقضاء الحاجة، وفي مقدّمة أولئك معالي السيّد أحمد زكي يماني، متّع الله بأيّامه، ولم أرَ هذا السيّد يماني منتشيًا ومسرورًا بمثل ما أراه منتشيًا ومسرورًا في اليوم الذي يقصد فيه الوالد البصنوي مجلسه العامر بجدة، فلقد كان يجلّه كما يجلّ الابن أباه، ويقضي له حاجات العباد، من التي كان إيجاد مخرج لبعضها صعبًا عصيّ المغلاق، إن لم يكن مستحيلاً على الإطلاق، ولكنّ همم الرّجال تنهض بعون الله عزّ وجلّ لتذلّل الصّعاب وتمهّد السُّبل، حتّى لواقتضى ذلك السّير على الأقدام في المفازات، فيحثّون الخطى لذلك، غبطة في صنع المعروف لوجه الله، قربى وزلفى لوجهه الكريم.
* .. واليوم يا أبتاه؛ يمرّ ربع قرن من الزمن منذ ذلك اليوم المشهود الذي أودعناك فيه ثرى الحجون والمعلاة، وفي ذلك الموقف المهيب سمعت أحدهم، وكنتُ ساعتئذٍ برفقة صديق العمر الأستاذ والمربّي محمّد نور مقصود -رحمه الله-، ينتحب، وقد علا نشيجه وبلغ مسامع المشيعين، وهويقول: «اليوم يا بصنوي يفتقدك الضّعفاء والمساكين وذوي الحاجة».
* وأجدني اليوم، لفضل أحسنت فيه -بعد الله- للعبد الفقير؛ معترفًا بأنّك لا زلت تعيش في وجدان من عرفوك، أومن حظوا بالقرب منك، فهم يعلمون أنّك عشت سخيًّا بجاهك ومالك على السّواء، لم تبحث عن شهرة، ولم يغرّك بريق، ولم تستهويك أضواء.. عشت كما يجب أن يعيش الكرماء، ورحلت كما يجب أن يرحل الأنقياء.. فرحمك الله رحمة الأبرار.
عبدالله بصنوي.. سيرة إنسان ومآثر جيل
تاريخ النشر: 17 فبراير 2016 03:48 KSA

* أكتب اليوم تحت وطأة وهنٍ جسدي يفتّ من عضدي، أستقبله محتسبًا أجر احتماله عند الله اللّطيف الحليم، ليقيني الرّاسخ أنّه من بعض ألطاف الله عزّ وجلّ الخفية عليَّ في عالم الأزل والغيب.
A A


