أستاذنا الفاضل: عبدالله فرّاج الشّريف
قرأتُ مقالتك المؤثّرة، وعنوانها «قبل الرّحيل»، والصّادقة في مضمونها الذي يعكس صفاء سريرتك ونقائها؛ حيث تطلب من الآخرين الصّفح، وأنت تعاني ممَّا حلَّ بك من ألطاف الله الخفيّة، والقدرة في الأزل. والحياة بطبيعتها حزنٌ وكدرٌ. ولقد عرفتك عن قُرب، كما عرفتك السّاحة الثّقافية والأدبية مجاهدًا بقلمك، الذي لم توجّهه مسيئًا إلى أحد به؛ بل على النّقيض من ذلك، كنت سبّاقًا لذكر محاسن الآخرين ممّن عرفت، ومنوّهًا بشمائلهم. وكان من آخرها ما كتبته عن أستاذ الجميع معالي السيّد أحمد زكي يماني، والذي وصفته حقيقة بأنّه زكيُّ النّسب والخُلق. ورغم ظروفك الصحية فلقد حرصت على حضور الليلة التي أقامها عزيزنا المستشار محمّد سعيد طيّب في داره، تأبينًا للفقيد الشيخ عمر كامل -رحمه الله رحمة الأبرار-، وارتفع صوتك يملؤه الحُزن والأسى، وتتابع الكلمات على لسانك بشجن في حقِّ إنسان عرفته عن قرب، وخالطته عن مودّة خالصة لوجه الكريم، وخصوصًا أنّك وثلّة من رجال الفكر النيّر -ومنهم الفقيد عمر- أوقفتم أقلامكم على مناهضة الفكر المتشدّد والإقصائي، الذي أدركتْ دولتنا السنية مدى خطورته؛ فسعت جاهدة منذ أحداث سبتمبر 2001م إلى وقتنا الحاضر إلى محاصرته في أوكاره المظلمة؛ حيث يستحلّ أصحابه دماء المسلمين، وسواهم، متجافين عن عمد عمّا وردت به آيات الذّكر الحكيم، وسُنّة نبيّه الخاتم سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم من تحريم لاستحلال دم المسلم. ولقد اكتوت بلادنا، كبقيّة دول العالم، بناره التي لم تترك أثرًا، ولا معلمًا إلاّ وهدمته، كما تفعل «داعش»، ومناصروها، ولا أرضًا صالحة ومثمرة إلاّ واجتثتها، ولا نساءً، وشيوخًا، وأطفالاً إلاّ وقتلتهم بدمٍ باردٍ، وغرّرت بعقول النّاشئة، فأفسدت عليهم حياتهم، ودمّرت مستقبلهم، وانتزعتهم في جفوة وغلظة من بين يدي آبائهم، وأمّهاتهم، وأهليهم، وأطفالهم، والذين كانوا يمنّون أنفسهم بأن يروهم وقد ساهموا في إقامة الحياة على هذه الأرض وعمارتها، وليس لحرقها وهدمها.
نعم؛ بيّنت بما وهبك الله من علم شرعي؛ حيث درست في معقل من معاقل العلم والفكر، أقصد دار التوحيد في مدينة الطّائف، وكنت في هذا الزمن -تحتاج فيه الأمّة للعلم المرتكز على مقاصد الشّرع الحنيف- أحد أولئك الذين يلتزمون بآداب الحوار، ومقتضيات الكلمة التي تخاطب العقل والوجدان معًا، ولا تلتفت إلى صوت نشاز يرتفع ضجيجه، وصخبه من دون ركيزة علمية، ومضمون شرعي واضح. وكثيرًا ما سمعتك وأنت تثني على جملة من المشايخ الأجلاء، وفي مقدمتهم أصحاب الفضيلة المشايخ: محمّد بن إبراهيم آل الشّيخ، وعبدالله بن حميد، ومحمّد العربي التباني، وحسن مشّاط، وسواهم -رحمهم الله-.
لقد كنت تبحث عن العلم النّافع في أيّ مكان وزمان؛ فتنوّعت موارد علمك، وتعاضدت مع تطلّعات نفسك السّاعية للاستزادة من العلم، حتّى وقد أوهن الدّاء منك الجسد؛ ولكنّه لم ينلْ -بفضل الله- من النّفس التي سكنته. وحيث يكون رضاء الله، وما أرادته عنايته في علمه الأزلي. وإنّي في ختام هذه السُّطور لأسأل الله لك الشّفاء العاجل، وأن يمتّعك بأيّامك المباركة.
المُعلّم والفقيه عبدالله فرّاج الشّريف وكلمات للتاريخ
تاريخ النشر: 24 فبراير 2016 04:08 KSA

أستاذنا الفاضل: عبدالله فرّاج الشّريف
A A


