Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الكتب ومعاناة الإهمال والقراءة

في كل مرة أخرج فيها من معرض الكتاب، في الرياض أو في جدة، وأرى الخارجين منه وقد حملوا أعدادًا كثيرة وأثقالًا كبيرة من الكتب؛ يتساءل الفضول عندي ما مصير هذه الكتب؟

A A

في كل مرة أخرج فيها من معرض الكتاب، في الرياض أو في جدة، وأرى الخارجين منه وقد حملوا أعدادًا كثيرة وأثقالًا كبيرة من الكتب؛ يتساءل الفضول عندي ما مصير هذه الكتب؟ ولأني متفائل دائمًا بأن ما نراه هو ظاهرة حقيقية، وتعبير حقيقي لحب الناس في بلادنا للكتب وللعلم والثقافة، وأن الكتب حقًا ليست لأغراض الزينة وادعاء المعرفة. ولا أعتقد أن شائعة استعراضها في المكتبات المنزلية هي مبرر لكي ينفق كثير من الناس الأموال لذلك.
وحب الكتاب لا يعني أنه سوف يُقرأ عند اللحظة التي يصل فيها مقتنيه به إلى المنزل. فعملية القراءة هي عملية معقدة لها توقيتات غريبة، ودوافع مختلفة، وفي كثير من الأحيان أسباب غير مفهومة، وربما غير منطقية. فالكتاب الذي كنت تسعى بشوق للحصول عليه منذ سنوات عديدة، قد لا يحظى بالقراءة حالما تحصل عليه ويستقر بين كتبك الأخرى! ولربما تمضى الأيام والأشهر بل أحيانًا السنوات قبل أن تقرأه.
يقول الروائي (المتوفى منذ أيام قليلة) الإيطالي أمبيرتو إيكو (صاحب الرواية الشهيرة اسم الوردة)، الذي احتوت مكتبته على حوالى خمسين ألف كتاب: «كون الكتب في مكتبتك لا يعني أنك قرأت كل كتاب فيها. فهي ليست مكتبة أنشأتها لكي تضع الكتب التي قرأتها فيها، بل هي مقر للكتب لكي تمكنك من أن تختار منها كتابًا حين تريد القراءة». وأضاف: «إن في مكتبتي كتبًا لم أقرأها، وكتبًا قرأتها بعد عشر سنوات من شرائها، وكتبًا قرأتها بعد ثلاثين سنة».
ومن تجربة كاتب هذا المقال الشخصية، فقد أراحني ذلك القول من عذاب الضمير لعدم قراءة بعض الكتب التي حصلتُ عليها منذ زمن. فأيقنت بأن معاناتي تلك، ووخز ضميري، وإهمالي لبعض الكتب؛ ليست حالة فردية، بل يعاني منها كثير من القارئين الجادين.
ولعله من أطرف ما ذكر الروائي أمبيرتو إيكو عن بعض الكتب في مكتبته، بأنه ربما مرّ يوم على كتاب لم يقرأه، فنفض عنه غبار السنين، وفتحه ثم قرأ صفحة منه أو أسطرًا، ثم بعد ذلك أغلقه لأنه اكتشف أنه لا حاجة له لقراءته لأنه شعر بأنه كان يعرف كل شيء فيه. وللروائي الإيطالي تفسيرات عدة عن كيفية حدوث مثل هذه الحال. منها قوله «مازحًا»: إن محتويات الكتاب الورقي تنتقل من صفحاته عبر اليد والأعصاب لتصل إلى الدماغ، وهذا ما لا تتيحه للإنسان الأجهزة والكتب الإليكترونية. إلا أنه في النهاية يقول: إن اعتقاد المرء بأنه يعرف كل ما في ذلك الكتاب الذي لم يقرأه هو مريح للضمير، ولكنه في الحقيقة خطأ كبير!.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store