Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

حتى لا يتحول الاختلاف إلى صخب والرأي إلى هذر!!

* لم تكن العلاقة بين أرباب الكلمة «فلاسفة، ومبدعين» وردية، وخالية من الشوائب والنقائص والمكدِّرات، والتي يمكن أن تندرج ضمن نطاق الطبيعة البشرية المحضة، والتي يصعب عليها -لضعف يعتريها في أوقات الغضب

A A

* لم تكن العلاقة بين أرباب الكلمة «فلاسفة، ومبدعين» وردية، وخالية من الشوائب والنقائص والمكدِّرات، والتي يمكن أن تندرج ضمن نطاق الطبيعة البشرية المحضة، والتي يصعب عليها -لضعف يعتريها في أوقات الغضب، ولحظات جموح العاطفة- أن يتحكم فيها أصحابُها، حتى إذا ما مرت الأيام، وأضحوا على مسافة زمنية منها، عادوا إلى رشدهم، وثابوا إلى صوابهم، ورأوا فداحة ما انفلتت به ألسنتهم من عقالها.
وليس ببعيد عنا ما حدث من خلاف وخصومة بين روّاد الأدب العربي في عصر النهضة، مثل العقاد، والرافعي، وطه حسين، فلقد كتب الرافعي في لحظات ضعف بشري كتابه «على السفود». وكنَّا في زمن النشأة ببلد المصطفى صلى الله عليه وسلم نعجب أيّما إعجاب بـ»وحي القلم»، وخصوصًا في أسلوبه ذي الجرس المتقن، وغير المتكلّف ولكننا في مرحلة لاحقة صُدمنا بما دوَّنه الرافعي -نفسه- من هجاء مقذع للعقاد في «سفوده»، ولكنه أدرك بعد زمن فداحة ما كتب، وأنه تجاوز حدود وأطر أدب الاختلاف، فتبرَّأ منه.
وقد قرأت له -أي للرافعي- كلمات صادقة ومنصفة بحق طه حسين، يقول فيها -وهو يعدّه خصمًا له-: «وطه حسين عندي كتب تنطق»!!.
* وهناك أمثلة أسوقها من سلوكيات جيل الروّاد في بلادنا، فعندما رحل الأديب والمؤرّخ عبدالقدوس الأنصاري عن دنيانا، كتب الشيخ «المؤرخ والنسابة» حمد الجاسر مقالاً في صحيفة الجزيرة، يشيد فيه بالأنصاري، ويقرُّ أن الأنصاري كان على حق فيما انحاز إليه من رأي علمي حول «جيم جُدَّة».
* كما قرأت له رأيًا آخر في المؤرخ والأديب السيد أمين مدني، وكان قد جرى خلاف بينهما إزاء مسائل تاريخية محددة، فهو يصف مجايله «المدني» بأنه أديب وقور. ويصف عزيزنا الشاعر محمد صالح باخطمة في أيامه مع الرائد حمزة شحاتة مشهد لقاء الشاعرين العواد وشحاتة في مصر، فلقد كان مشهدًا حضاريًّا أقرَّ كل منهما للآخر بالريادة والتفرّد، على رغم تلك العلاقة المتأزمة التي انقسمت فيها ساحتنا الأدبية في منتصف القرن الماضي انقسامًا حادًّا بين فريقين: أحدهما يشايع شحاتة، والآخر ينتصر للعواد، وهو ما فصَّله الابن الناقد الدكتور عادل خميس في دراسته القيّمة عن شحاتة، والموسومة «جدلية الوجود والعدم».
* ولن يغيب عن الذهن مشهد إنساني وحضاري، وذلك أثناء انعقاد المؤتمر الأول للأدباء السعوديين في الجوار الكريم بمكة المكرمة، فكان ضمن حلقات البحث ما يندرج تحت إبداعات الشاعر أحمد شوقي، وكان المتحدث الرئيس الأستاذ الناقد عبدالعزيز الربيع -رحمهم الله أجمعين- وكان الرائد العواد يجلس في الصفوف الأولى، وبعد مدة وجيزة غادر العواد القاعة في هدوء، فلمّا انتهى الربيع من إلقاء ورقته قام أحدهم ليسأله عن الخلاف الذي كان قد نشأ بينه وبين العواد، فاعتذر عن الإجابة؛ لأن العواد ليس موجودًا؛ حتّى يتمكّن من إبداء رأيه.
وكنت دومًا أعجب بمؤلفات الشيخ محمد الغزالي -رحمه الله- ولكن ازداد إعجابي به عندما قام بزيارة مواساة للأديب الكبير نجيب محفوظ، عندما تعرض في أخريات حياته لحالة اعتداء مستنكرة، وذلك على رغم التباين الفكري بين الرجلين.
* وإنني بدافع المودة الصادقة، أتطلع من بعض الزملاء الذين أثق في حكمتهم، ورجاحة عقولهم بأن يضبطوا عواطفهم، ويمسكوا عمّا يمكن أن يدخل في باب التجريح، وهم الأقدر على ذلك، وخصوصًا أن بعضهم ينظر إليهم الجيل الناشئ نظرة احترام وتقدير، وأنهم الأقدر على رسم نهج حضاري فيما يجري الاختلاف فيه بين رفاق الدرب، وأصدقاء المسيرة الواحدة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store