Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

صرعات الوهم: شهادات واختراعات وسفراء وأوائل

كثر الكذب وتكاثر فألفناه حتى ما عاد يُزعجنا، صرنا نُصدّقه ونتداوله ونُدافع عنه باستماتة!

A A
كثر الكذب وتكاثر فألفناه حتى ما عاد يُزعجنا، صرنا نُصدّقه ونتداوله ونُدافع عنه باستماتة! تحوّلت الشائعات، التي يتهاوى أساسها الهزيل عند أقل تمحيص، من جلسات المقاهي و»هروجات» الصوالين ورغي الهواتف إلى صفحات التواصل الاجتماعي، حيث يتسابق المتواصلون على نشر أي خبر ونقله قبل غيرهم، وكفى.
لماذا أصبح الصدق مستهجنًا والحقيقة هيّنة إلى درجة أننا ما عُدنا نعرف مصدرًا نُعدّه موثوقًا للأخبار العجيبة التي صارت تهطل علينا يوميًّا؟ أقول لم نعد نعرف مصدرًا لأن وباء فبركة الأخبار تفشّى حتى وصل إلى كثير من الصحف الرسمية التي ما عادت تهتم بتقصي حقيقة الخبر قبل نشره. ونوعية الأخبار التي أقصدها تدور حول مبالغات التميُّز العلمي، والدكترة الكرتونية، وبراءات الاختراع الشاطحة، وسفراء النوايا الذين زاد عددهم عن كل النوايا، الحسنة منها والسيئة. ورغم كل هذا التزايد غير الطبيعي في مناصب السفراء وغيرها من تعيينات فخرية باهتة في برامج الأمم المتحدة الاجتماعية، أو في برامج يدعي أصحابها أنها تابعة للأمم المتحدة، فما زال المتنصّب/ة يتمايل خيلاءً وزهوًا حين يُسبل عليه هذا اللقب الذي لا يُعبِّر حقيقةً عن منصب ولا تعيين.
أما بعض الطلبة المبتعثين فما أن تطأ أقدامه بلاد الأفرنج حتى تتفتح قريحته فيقفز على أنداده ويتقدم حتى على أساتذته، وإذا به يحلُّ بسهولة ما عجز العلم عن حلّه حتى الآن، فلديه ترياقا ناجعا لكل أنواع السرطانات، أو لديها جهازا يسهّل سبل الكشف والدواء لكل فقراء العالم، أو لديه علم بالنبات لم يخطر ببال بشر حتى أن ناسا أطلقت اسمه على كوكب. هؤلاء الأفذاذ قد يكونوا طلابًا نجباء ونحن حتمًا فخورون بهم، لكن التضخيم والمبالغات تسيء جدا إلى جهودهم وتضعهم موضع السخرية والتنكيت.
وهذا هو حال حاملي الشهادات الكاذبة والمدفوعة ذات المصادر المشبوهة، يسيرون بين الناس مرفوعي الرؤوس ومنفوخي الصدور والناس من خلفهم يضحكون ويستهزئون. الناس لا يحترمون الكاذب، لكنهم يُجاملونه ويحرصون على مشاعره ولا يريدون لأحد مواجهته بكذبه ظنًا منهم أن في هذا قلة ذوق وجلافة. وما دامت الأبواب مُشرعة، ليس فقط للحصول على شهادات الوجاهة العلمية الوهمية، بل وللاحتفاء بأصحابها، وتلقيبهم بما طاب لهم من الألقاب، ثم تقليدهم مناصب مرموقة لا يستحقونها، فما الذي يردع غيرهم من السير على خطاهم الخادعة والمثمرة؟ مرة أخرى يكسب الكذب: يستمرئه الكاذب ويتواطأ معه المُجامل.
ثم تأتي الطامة الكبرى، ألا وهي التزاحم الشديد حد الدعس على الأقدام عند وصْف: (أول سعودي..) الذي يتبع اسم كل من عطس. أخبار (أول سعودي..) لا تقصر التميز في السعودية، بل تمده ليغطي العالم العربي، والشرق الأوسط، ثم يتجرأ صاحب الاختراع أو العلاج أو التخصص ليكون (أول سعودي يكتشف) على مستوى العالم. يضع صاحب الإنجاز الفريد اسمه على قمة العالم فيصنع من نفسه نجمًا يستحق الدعم والدفع للأمام والرعاية الخاصة.
ولمَ لا يفبرك أي شخص خبرًا مُضخّمًا عن نفسه ما دامت كثير من الصحف الرسمية تنشر الخبر دون تمحيص وعلى حساب اهتزاز مصداقيتها الإعلامية، وما دام الناس يجاملون ويلقبون ويطبلون، وما دامت المؤسسات تبارك ما كتبه الشخص عن نفسه والقلم بيده، فترفع من شأنه وتعزز مكانته وتضعه على قمة مناصبها دون تقصِّي أو تحقق؟.
أن يلوك الناس الشائعات في القهاوي والاستراحات وجلسات الصوالين، فهذا أمر غير مستحب، ولكن أن تساهم مؤسسات رسمية وصحف معتمدة في الترويج لها، فتلك جريمة لا تغفر!!!
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store