Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

أفكار على هامش الثلاثاء الأمريكي الكبير

قد لا يتوقف كثيرون أمام نتائج (الثلاثاء الكبير) في الانتخابات التمهيدية الأمريكية، والتي حملت إلى الصدارة، حتى الآن، كلاً من دونالد ترامب عن الحزب الجمهوري، وهيلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي، لكن تل

A A
قد لا يتوقف كثيرون أمام نتائج (الثلاثاء الكبير) في الانتخابات التمهيدية الأمريكية، والتي حملت إلى الصدارة، حتى الآن، كلاً من دونالد ترامب عن الحزب الجمهوري، وهيلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي، لكن تلك النتائج، ومآلاتها، قد تترك بصماتها لسنوات طويلة مقبلة، على مستقبل الشرق الأوسط كله، بدوله، وبشعوبه، وبصراعاته التي لا تنتهي، وبمخاض طويل فيه لا تُنهيه ولادة، ولا يوقفه إجهاض.
لم يأخذ أحد لا من الأمريكيين ولا من سواهم، دونالد ترامب على مأخذ الجد، فالرجل متطرّف جدًّا بما يكفي لجعله مجرد طالب شهرة، أكثر من كونه مرشحًا جادًّا للرئاسة في أهم بلد في العالم، لكن حالة الاستخفاف بالرجل، مكّنته من القفز في غفلة من الجميع إلى صدارة الترشح عن الحزب الجمهوري.
كثيرون بين الأمريكيين كانوا يعتقدون، ربما بقانون العادة، أن الرئيس المقبل بعد فترتين رئاسيتين للديمقراطيين، يجب أن يكون جمهوريًّا، وكثيرون أيضًا من حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كانوا يتمنون رئيسًا من الجمهوريين، يوقف حال التراجع الإستراتيجي الأمريكي، ويستعيد زعامة أمريكية فعّالة للنظام الدولي، ويتصدَّى لأخطار هائلة في منطقة الشرق الأوسط، تفاقمت بفعل الاتفاق النووي الذي رعاه الديمقراطيون مع إيران.
لكن اقتراب ترامب من الفوز بترشيح حزبه للرئاسة، خيّب آمال كل من راهنوا على أن الجمهوريين هم الحل، فقد أصبح الجمهوريون، في الغالب، هم المشكلة، إذ يعني فوز ترامب بالترشح، أن منافسه الديمقراطي، أيًّا كان اسمه، (هيلاري كلينتون غالبًا)، سيفوز على الأرجح بالرئاسة، وأن فرص التغيير في السياسة الأمريكية قد تصبح من ثم ضئيلة، أو رمزية، وأن على حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط أن يمضوا قُدمًا في إنتاج منظومات أمنية بديلة لمظلة أمريكية لم تعد قادرة على منح الظل لحلفائها، بل إنها وفَّرت بعض الظل لإيران على مدى العام الأخير.
غياب أمريكا، أو انسحابها الطوعي من التزاماتها (التقليدية) تجاه الشرق الأوسط، أتاح للروس فرص العودة إلى المنطقة، من باب صراعات في المشرق العربي سوف يستغرق حسمها سنوات طويلة مقبلة، من عمر الشرق الأوسط وشعوبه.
نفس الغياب الأمريكي، استدعى قيام تحالفات إقليمية سعى أطرافها إلى لجم مخاطر محدقة، وتطلعوا إلى حلول «جذرية» صعبة المنال، لقضايا الأمن في الإقليم.
ما جرى خلال سنوات الانسحاب الأمريكي من المنطقة، منذ خطاب أوباما الأول إلى العالم الإسلامي من فوق منبر جامعة القاهرة، ثم خطابه الثاني من اسطنبول، أعمق وأفدح أثرًا بكثير، من أن تُمكِّن معالجته لاستعادة ملامح الشرق الأوسط (القديم) قبل حالة النكوص الأمريكي، فسوريا والعراق، كما يقول مايكل سنج كبير الباحثين بمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أصبحتا تحت تقسيم فعلي، يبدو تجاوزه صعبًا، فيما تستوطن الفوضى في ليبيا، ويمتد الصراع في اليمن، بينما تكافح مصر وتونس للمحافظة على مقومات الدولة.
الشرق الذي غامر الديمقراطيون بتركه نهبًا لفوضى ظنّوها خلَّاقة، أنتج بدوره آليات حمايته الذاتية، التي أنتجت بدورها واقعًا، ما عاد بوسع القادم الجديد في البيت الأبيض أن يُغيِّره.
كلّما تطوّرت آليات الحماية الذاتية في المنطقة، كلّما تراجعت قدرة الرئيس الأمريكي المقبل، على بسط رؤيته -إن وُجدت- على دول وشعوب المنطقة، أو على منافسين قدامى فيها مثل روسيا، أو جُدد كالصين.
السنوات المقبلة قد تكون ثقيلة الوطأة على الجميع، وقد يتعيَّن على دول المنطقة، أن تخوض جهدًا حقيقيًّا من أجل بناء نظام للأمن الإقليمي، يستوعب حقائق الإقليم، ويستطيع تهدئة مخاوفه.
لا نظام -إقليميًّا- يسمح بالاستقرار في الشرق الأوسط، دون نظام إقليمي عربي (قائد) يلتزم بمبادىء عدم التدخل في شؤون دول الإقليم، وبحق الشعوب في تقرير مصيرها، وباحترام خصوصيات وهويات دول الإقليم، وبأن يكون رفاه شعوب المنطقة، ومضاعفة إسهامات شعوبها في إثراء الحضارة الإنسانية، هدفًا أسمى لدولها.
باختصار، فإن على دول الشرق الأوسط أن تستوعب حقائق التغيير عند قمة النظام الدولي في واشنطن، وأن تدرك أن التنافس الحقيقي يجب أن يكون حضاريًّا، لا دينيًّا ولا مذهبيًّا، فمَن سيُرجِّح الفائز بالسباق الإقليمي في التحليل الأخير، هو المنتج الحضاري والعلمي والإنساني.
أمريكا مُرشّحة للبقاء على هامش قضايا الإقليم، إن فاز الديمقراطيون، والعالم مُرشَّح للانفجار إن فاز ترامب، والمنطقة مُرشَّحة لمزيد من التوتر إن اكتفت بانتظار ما سيأتي دون أن تذهب إلى المستقبل بوعيها، وبإرثها الحضاري العظيم.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store