يعتقد منّا كثيرون بأن الدافع المؤثر الرئيس لانضمام كثير من الشباب عندنا، وفي بلدان أخرى إلى الجماعات الإرهابية هو البطالة! فإن كان الأمر كذلك، فكيف نفسر قيام بعض الأطباء والمهندسين ومختصى الكمبيوتر والبرمجيات والإليكترونيات وحتى السينمائيين من كل مكان بالانضمام إليهم؟.
لا شك في أن هذا اعتقاد خاطئ، لأنه ليس صحيحًا أن العاطل عن العمل اليوم سوف يكون إرهابيًا غدًا. وهذا برهانه على أرض الواقع، حيث نرى كثيرًا من المواطنين الصالحين في بلادنا وهم -برغم قلة مواردهم- ينكرون باطل ما تقوم به تلك الفئات الضالة، التي هتكت الأعراف، وقتلت الأقارب، ودمرت البلدان، وانضمت إلى القتال في بلدان لم يكونوا من أهلها. كما أننا نرى كثيرًا من مسلمي الدول الأوروبية (الله أعلم بدرجة إيمانـهم) الذين لا تنقصهم الإمكانات المالية، وهم يفدون زرافات ووحدانا إلى مناطق القتال الساخنة لينضموا إلى الفئات الإرهابية المتطرفة المعروفة. وجلّ هؤلاء ليسوا بأميين جهلاء وليسوا بعاطلين عن العمل في بلادهم.
فرضياتنا وقناعاتنا -كما يبدو- غير صحيحة. وهي كذلك غير علمية، وغير دقيقة في تشخيص دوافع الانتماء إلى تلك التكوينات الجهادية والتكفيرية المتطرفة. كما تنقصنا بجانب ذلك دراسة وفهم السلوكيات والمقومات الشخصية لأولئك الذين اجتذبتهم تلك التكوينات المتطرفة، وكذلك للآخرين الذين عندهم القابلية والميول لكي ينضموا إليها. وكما هو معروف فإن الخطأ في الفرضية ومعلوماتـها الأساسية يقود -لا محالة- إلى خطأ في النتائج التي قد يتم تطبيقها عمليًا، فلا يكون لها قيمة أو مردود علمي ومنطقي يعوّل عليه.
لا ينكر أحد بأن ما أُجري من دراسات سابقة، وما تم الحصول عليه من معلومات كثيرة عن عدد من الجهات المتطرفة هو شيء ليس بالقليل؛ ولكن التساؤل ما يزال قائمًا: لماذا كلما حدثت حادثة ارهابية جديدة نفاجأ ونتعجب، كيف لم نفطن للميول والتوجهات الإرهابية لذلك الطبيب أو الفني أو المهندس أو العاطل الذي كان بيننا؟ أو كيف لم نتحقق من الذين انعزلوا عن المجتمع وجعلوا بينهم وبينه سدا منيعًا؟ هل كانت هناك مؤشرات ودلالات لم نحسن قراءتـها؟ أم أننا ببراءتنا قبلنا سلوكياتـهم تلك واعتبرناها طيشًا طارئًا سريعًا ما يكفّون عنه؟ أم لدينا تردد في مواجهة الحقائق أو في فهمها؟
نحن أمام أزمة فكر كبيرة، وتوجهات عقدية شديدة الحساسية والتصلّب والتشدد، ونحتاج إلى عمل كبير وجهد دؤوب لكي نكون على بصيرة وعلم حتى نتمكن من التعامل مع هذا الوضع المأزوم وتداعياته.
مؤشرات لم نحسن قراءتها
تاريخ النشر: 06 مارس 2016 00:05 KSA
يعتقد منّا كثيرون بأن الدافع المؤثر الرئيس لانضمام كثير من الشباب عندنا، وفي بلدان أخرى إلى الجماعات الإرهابية هو البطالة!
A A


