من قبل الإعلان عن انضمام جدة التاريخية لقائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو، والجهود تتوالى لحمايتها، وقد أولى سمو الأمير سلطان بن سلمان المنطقة عنايته الشخصية، وعمل على حشد الاهتمام بها. وإضافة إلى كل الدعم الرسمي السخي، فإن سموه كان يؤكّد دائمًا على أهمية نهوض الأهالي ومُلّاك البيوت الأثرية في جدة بالمشاركة في مشروع التطوير والتحسين الشامل للمنطقة، ويردد: «ويظل الدور الأهم على الأهالي والمُلّاك في ترميم، وإحياء هذه المساكن القيّمة، والمداومة على صيانتها بما يتكامل مع الجهود الحكومية». كما حثَّ سمو الأمير مشعل بن ماجد محافظ جدة في كلمة ألقاها في حفل افتتاح مهرجان جدة الأخير على وجوب تضافر الجهود، ودعا مُلّاك مباني المنطقة التاريخية إلى الحفاظ على ما تزخر به من تراث عمراني أصيل.
ضمن هذا الإطار التطويري، والتحسيني تحرّكت عائلتي لتغيير المظهر الخارجي لعمارة حديثة نمتلكها في قلب جدة، فهي محاطة بالبيوت القديمة ذات الطراز الحجازي المميّز، بينما تقف هي بصبّاتها الخرسانية، وشبابيكها الفرنسية العالية نشازًا في وسط تلك البيوت. لم نكن نعرف أننا سنبدأ رحلة العذاب مع البيروقراطية على مدى تسعة أشهر دون فائدة. طلبت منا البلدية تقريرًا هندسيًّا يشهد بأن المبنى غير آيل للسقوط، رغم أن العمارة ليست مصنّفة كبناء أثري، ورغم أنها مبنية من الأسمنت والحديد. دفعنا الرسوم المطلوبة لمكتب هندسي، وبعد الفحص قدّمنا الشهادة للبلدية.
بعدها طلبوا صكّ الملكية، فأعطيناهم صورة، ثم فاجأونا بطلب خريطة (كروكية) للبيت، وتلك وثيقة غير موجودة لدينا، وبعد الذهاب والإياب تنازلوا عنها، فقط ليطلبوا خطة مفصلة للترميم المرغوب، فوضّحنا أن العمل سيُعطي البيت سمة العتاقة فقط، بتغيير الشبابيك بأشياش خارجية، وبتبديل الباب الحديدي ببوابة خشبية عليها نقوش تراثية، فالمراد هو أن ينسجم مظهر البيت مع ما حوله من عمران عتيق، وبتمويل ذاتي. لكن الطلبات ظلت تهطل علينا قطرة قطرة، وإذا بها تأخذنا إلى دهاليز التوكيلات الشرعية، والمحاكم، والله وحده يعلم إلى أين سينتهي بنا المطاف، حتى أصابنا الملل، وقررنا التوقف عن المحاولات، وترك البيت على حاله.
هذا الروتين الصعب، والتفاعل الجامد مع الأفراد على أنهم معاملات ورقية، وملفات يجب أن تستوفي الشروط، يقتل كل مبادرة مختلفة يفكر فيها أيّ فرد. هنالك حالات لا بد أن يتوقّف النظام عن شنقها بالمتطلبات العقيمة. هكذا خسرنا معالم كثيرة ضاعت، أو هي في طريقها للضياع من وجه جدة القديمة والحديثة. كان هذا مصير «حديقة الأنعام الجميلة»، وقد كانت حديقة حيوانات وحيدة قامت على جهد متفرّد، فأغلقت وتكبّد صاحبها خسائر فادحة، ومازال الناس يفتقدونها. هكذا تلاشى منتزه الدولفين، وبحيرة القطار، وهكذا يبقى متحف الأسماك، ومطعم السقالة، وكبائن النورس وغيرها من الأماكن التي تحدد معالم جدة تحت تهديدات الاختفاء المفاجئ. كان لابد لبلدية جدة أن تشدّ على أيدي المبادرين بتشكيل السمات المكانية لعروس البحر، وتعينهم على الثبات والاستمرار، وتقاوم قديمًا وحديثًا ظاهرة اختفاء مطعم المنتزه، ومطعم كيلو عشرة، ومركز العلوم والتكنولوجيا، والتخلّي عن مجسماتها الفنية الجمالية، وانحسار الشواطئ عن أقدام المتنزهين على بحرها.
حين ذهبت إلى القاهرة لأوّل مرة، طلبت من والدي اصطحابي لقهوة الفيشاوي. رأيتها وكأنّي أنظر إلى تاريخ لم أعشه، وكانت دليل حدوثه. هل يعرف أحد أين اختفت قهوة الفيشاوي التي كانت تجمع المصريين في جدة؟ متى تتخلّى البلدية عن بيروقراطيتها، وتكتفي بما خسرت، وتنمي حسّها الإنساني والثقافي والحضاري لتتعامل مع بعض المباني كإضافات مهمّة هي في طريقها لتكون تاريخًا ومعلمًا ماضويًّا جوهريًّا؟
المبادرات الفردية ومشانق البيروقراطية
تاريخ النشر: 10 مارس 2016 01:11 KSA
من قبل الإعلان عن انضمام جدة التاريخية لقائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو، والجهود تتوالى لحمايتها، وقد أولى سمو الأمير سلطان بن سلمان المنطقة عنايته الشخصية، وعمل على حشد الاهتمام بها.
A A


