Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

عقوبة المرتدّ: أتعزير أم حدّ..؟

No Image

من الحقّ طرح هذا السّؤال القائم: هل هناك إجماعٌ بين العلماء على إقامة حدّ الردّة؟، يصح طرح السؤال خاصّة أنّ أكثر القائلين بحدّ القتل- مثلاً- يستندون، إلى حديث «من بدّل دينه فاقتلوه»؛ مع أنّ الإمام مسل

A A
من الحقّ طرح هذا السّؤال القائم: هل هناك إجماعٌ بين العلماء على إقامة حدّ الردّة؟، يصح طرح السؤال خاصّة أنّ أكثر القائلين بحدّ القتل- مثلاً- يستندون، إلى حديث «من بدّل دينه فاقتلوه»؛ مع أنّ الإمام مسلم رفض اعتماده بحسب الباحثة الدكتورة فوزية العشماوي في دراستها المعنونة بـ“حرّيّة العقيدة بين الشريعة والإسلاميّة والإعلان العالميّ لحقوق الإنسان”.
وفي هذا السّياق يخلص المفكر الإسلاميّ الدكتور محمد سليم العوا في كتابه (عقوبة الرّدّة: تعزيرًا لا حدًّا) إلى القول: “إنّ العقوبة الواردة في الحديث النبويّ الشّريف إنّما هي عقوبة تعزيرية، وليست عقوبة حدٍّ.. مفوضة إلى السلطة المختصّة في الدّولة الإسلاميّة تُقرّر بشأنها ما تراه ملائمًا من أنواع العقوبات ومقاديره. وبذلك نجمع بين الآثار الواردة عن الصّحابة التي تثبت في بعضها حكم قتل المرتدّ، وفي بعضها الآخر عدم قتله، وعلى ذلك -أيضًا- نحمل رأي النخعي، وسفيان الثوري؛ في أنّ المرتدَّ يُستتاب أبدًا؛ ولا يقتل”.
أبلغَ ميمون بن مهران والي الخليفة عمر بن عبدالعزيز بأمر بعض المسلمين الذين تركوا الدّين الإسلاميّ في الخفاء، ولم يجهروا بعدائهم للمسلمين؛ فأمره بإطلاق سراحهم. وهذا يتساوق في الجملة مع القول بعدم القتل.
إنّ كثيرًا من العلماء والفقهاء والمفسرين ذهب إلى القول: إنَّ حدّ الردّة قتلاً يكون لجماعة المرتدّين بشرطه؛ وهو (الاقتران بالمحاربة)، وليس الردّة الفرديّة دون جهر بالعداء. بدليل أنّ المذهب الحنفيّ لا يُجيز قتل المرأة المرتدّة؛ لأنّها غير محاربة، أمّا الذين يرتدون دون محاربة فلا يحكم عليهم بالقتل.
فإذا كان الارتداد عن الدّين الإسلاميّ ليس مجرّد موقف عقليّ، أو نفسيّ، أو شخصيّ؛ بل هو تغيير للهويّة، والانتماء، والولاء من أمّة الإسلام إلى أمة أخرى؛ فمن الصّواب أن نتساءل مع الباحثة فوزية العشماوي: ما المقاصد الشرعيّة من قتل المرتدّ؟ وأيّ فائدةٍ تعود على المجتمع، وعلى الصّالح العام من قتله؟ وهل المقصد من قتله هو الرّدع حتّى يتّعظ كلّ مَنْ يُفكّر في الخروج عن الإسلام، فيظلّ مسلمًا وهو كارهٌ؛ لأنّه خائفٌ من عقوبة القتل؟
هناك الكثير من صفحات الفقه الإسلاميِّ تمتلئ بالمسائل الخلافيّة ذات العلاقة الجوهريّة بحياة النّاس؛ ولمّا يزل الكثيرُ من فقهائنا وعلمائنا يتحرّزون من الخوض فيها، إمّا بالتّأكيد ثبتًا بالدّليل الصّريح، أو نفيًا بالبرهان البيّن والواضح. ودبَّ هذا التّحرز على بعض الباحثين في علوم الشريعة حتّى اسْتَشْكلَ الأمرُ على الكثيرين خوضاً في غمار التّصحيح والتبّيين.
لقد آن لعلماء، وفقهاء المسلمين أنّ يوحدوا كلمتهم فيما يتعلق بحرية العقيدة تأكيدًا أنّ القرآن الكريم كفل تلك الحرّية وأن» لا إكراه في الدّين». كما يجب عليهم أن يُصحّحوا موقفهم من حدّ الردّة في ضوء السياق التّاريخي؛ تطبيقًا لمبدأ حرّيّة العقيدة، وبيانًا للفرق الشّاسع بين المرتدّ كـ(مرتد)؛ لا فتنة من ارتداده، وبين مرتدٍّ (محارب) يسعى للفتنة والمقاتلة!!
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store