أحمد البوق: اسم لا تخطئه العين الناقدة ضمن المشهد الثقافي السعودي الشعري. أو ضمن المدونة الشعرية السعودية. ذلك أنه استوعب المد الشعري منذ العتاقة وحتى الحداثة. وأسهم في كلًّ بمشاعر فياضة، وحروف ناصعة، وموسيقى هادئة يضفي عليها من روحه وهدوئه وحياته البيئية ما يكمل الصورة ويعمق التصور..
قرأت له ديوان (منكسر باعتداد) الصادر عام 2003م في كتابي النقدي: في فضاء الشعر السعودي المعاصر. ودخلت إلى شعره من خلال ثيمة (الحزن) التي وجدتها في كثير من قصائد الديوان وأولها قصيدته عن (الإبل)
«يسومونكم كالعبيد..
يسوقونكم بالحبال/ يشدون أيديكم وأرجلكم/ وأفواهكم مكممة بالحديد/ أوباركم من سياط البداوة شاخت
وتلك نياق صعيب على الذبح
وذاك حوار شهيد.
سكينك أهون من صرختي / أنت على مقتلي شاهد/
أشبعتهم أفلا يشكرون؟!»
وهناك قصائد كثيرةٌ تحمل هذه الأحزان. ولكن هذا الحزن لا يولد الضعف والانهزامية والانكسار، ولكنه حزن إيجابي.
حزن يزيد الشاعر ثقة بنفسه يقول:
«حزين على الرغم مني...
ومنكسر باعتداد» !!
وأما ديوانه الأخير: المعجزات الصغيرة فيوحي بمغادرة الشاعر لأحزانه وآلامه عندما ينشد للطفولة في شخص ابنته (رنا) في عامها الأول وهي تحبو وتلثغ بمفردات جديدة يرى فيها كيان جديد من المستقبل والتفاؤل والتنامي البهيج:
«كأن يحبو على ركبتيه/ مستكشفاً ما لا يراه البالغون
كأن يسبح الحرف على شفتيه/ في لثغة مذهلة
يجرب فن السباحة ببحر اللغة
كأن يرقص قاعدا/ إذا فاجأته الأغاني
كأن يردد حرفا/ يركب حرفين/ كأن اللغة تبدأ الآن إعجازها غضة.. هشة.. ساذجة
وحده الطفل: يجترح المستحيل/ يحرك قلب الحجر/ بالمعجزات الصغيرة (ص ص47-51)
في ديوانه الأخير: ترنو روحه نحو الجنة من خلال وجه الحبيبة التي سيحصد لها سبع سنابل من حقول الشعر ويهديها، ومن خلال الحرف والكلمة التي تحمل دور السكين ودور الوردة ، ومن خلال التسامي على الجروح:
«فالجنة أسمى/ من أن تدخلها بكل أناقتك الشعرية» ص 5-7
في ديوانه الأخير: وقفات شاعرية مع الأشياء المعتادة / المألوفة ولكنه يحولها إلى عوالم شعرية. فلوحة الإعلان وإغراءاتها:
«لماذا لوحة الاعلان تعمل في آخر الليل.. لا أحد يمر في هذه الشوارع .. تطفئ أنوارها وتضيء ..
لعرض أصناف البضائع /على عابر محتمل
لوحة الإعلان: عسس التجار/ تحمي بضائعهم أن تتكدس في عرض المتاجر تحمي شرايين الاقتصاد الوطني
أن يبتئس
تحمي نهم البنوك/ كي تتشبع بالنقد
تحمي كل شيء ذي علاقة بالنهم لكنها تلتهم المواطن !!» (ص ص57-58)
وشجرة الطلحة التي «تأوي إليها العصافير
والبلابل تأنس في ظلها»
(ص 41-43)
تتحول إلى معايشة مع الذات والنفس الهائمة!!
وشجرة التين التي في ظهر البيت:
«تحتضن أذان الفجر
وخيوط الشمس
وتغريد عصافير
ورغم كل هذا الجمال التي تحتويه الشجرة والحيوات التي تعيش حولها فإن البيت المجاور فيه (أم تشكو من ضجر
لا يسكن في البيت سواها) ( ص23-25)
والأسواق: «تتوالد كالفطر
لأننا نشتري أي شيء/ ونبيع كل شيء
وأخيرا: انزلقنا في سوق الأسهم» (ص61)
هنا نلاحظ هذه الشاعرية التي استجلبت كل فضاءات السوق وحمولاتها في لغة موجزة مكثفة.
أما المرأة /الأنثى في الديوان الجديد:
فهي العينان الساحرة
والجميلات يرقصن خطفاً
والابتسامة الملهمة
والحب على علاته :
« أشرب الحب على علاته
أرضع الشهوات من ثدي الفطامْ
من خيالي ألف أنثى اصطفي
كيفما خيرت وحَّدها الغرامْ
كلما اشرعت في حب جديد
قالت الأولى أنا مسك الختامْ
( ص27-29)
وفاطمة هي الأنثى الوحيدة المسماة في كل الديوان:
«يمثل الحرف في اسمها/ اسمها حبنا
كل أيامها ابيض/ أبيض مادنا
اسمها فاطمة /ذكرها راحُنا
فاطمة يا فاطمة /قربي ما بيننا (ص17-18)
بهذه الغنائية الموشحة تتنامى المرأة في خيال الشاعر.
وأخيرا يظل أحمد البوق شاعرا متمكنا.. يترنم بقوافيه.. ويختار لغته ومفرداته المعتقة بالمعاني القديمة ويلبسها ثوبا جديدا لتتحول الى نص إبداعي فاتن ومثير.
وأكثر ما يعجبك فيه ذلك الاتصال والانفصال بين شاعريته وفضائه العملي/ الوظيفي وخبراته الأكاديمية، فحضور البيئة وما فيها من حياة فطرية وأنسنتها في قوالب شعرية تعطيه ميزة وتفرداً بين شعراء جيله.
وهكذا (يؤنسن) الشعر حياتنا الفطرية !! أحمد البوق وديوانه معجزات صغيرة «أنموذجا»
تاريخ النشر: 06 أبريل 2016 01:15 KSA

أحمد البوق: اسم لا تخطئه العين الناقدة ضمن المشهد الثقافي السعودي الشعري. أو ضمن المدونة الشعرية السعودية. ذلك أنه استوعب المد الشعري منذ العتاقة وحتى الحداثة.
A A


