تدبّ الحياة من جديد في بناء كان قد شارف على التلاشي.. هو بناء جداوي قديم وقف صامدًا أمام عوامل الرطوبة والملوحة والرياح والأمطار وإن تساقطت أحجاره وتكسّرت نوافذه وتشوّهت ملامحه، بقي هكذا، مهجورًا ومهملًا ومستنكرًا. من حوله أزيلتْ مبان في مثل عمره، ثم شُـيّدتْ مبان في مكانها وأخرى جديدة أحاطت به فأظهرت ضآلته وانكساره.
ظلّ البناء المتآكل شامخًا ومثيرًا، فلو أنه كان داخل منطقة السور الذي كان يحمي جدة القديمة، لانضم بشكل طبيعي للبيوت الخربة التي تتهشم وتتهاوى وتحترق بين حين وحين، لكن موقعه خارج السور وإطلالته المتفردة على ضفاف بحيرة الأربعين جعله خارج المنظومة. وما كان لعين أن تخطئ ذلك التصميم المُـثمّن للمنزل، وتلك النوافذ الكبيرة المقوسة، وذلك السطح المُحاط بأقواس ثمانية وتلك المظلة الخشبية فوق باب المدخل. هو مختلف رغم السمات الحجازية المتسقة مع البيوت التراثية كالحجر المنقبي والأسقف ذات القنادل وزخارف الشبابيك الخشبية، وحتى البلاط الذي يغطي الأرضيات.
على مدى السنين انكمش البناء وتهدّم، لكنه لم يفقد تميّزه واختلافه فأثار الفضول ونبش العقول بأسئلة لم يعد يشفيها جواب. انطلق خيط الأسطرة من القوس الذي ظل قائمًا أعلى المدخل ففـُسّر بأنه موضع تعليق جرس، وبالتالي فالمبنى لابد أن يكون كنيسة. سرت الشائعة بسرعة رهيبة ووجدت قبولًا في نفوس شباب تماهوا مع فكرة التعايش السلمي وقبول الآخر، وتوالت الإضافات شيئًا فشيئًا لتكتمل شائعة الكنيسة وليصبح اسمها الكنيسة، الانجليكية، البريطانية أو الهولندية، التابعة للفاتيكان، والمسجلة رسميًا فيها، لذلك لا يمكن هدمها، كما لا يستطيع الفاتيكان ترميمها لصعوبة الحصول على تصريح من البلدية. ثم تمّ تحديد اتجاه المدخل نحو بيت المقدس، وأدعى أحدهم أن جدّهُ أبلغه بوجود صليب قد كُسر، وحوض تنصير للمواليد، وأن قسيسًا كان يقف بالباب ليوزع صكوك الغفران.
زادت هذه الشائعة عن الحد المعقول فتحركت الأمانة في شخص المهندس سامي نوار لتوضّح خطورة شائعة الكنيسة الضارة، فصرّح أنه ليس هناك دليل يثبت ذلك حتى في خرائط الرحالة القدماء، لكنه قدم دليلًا آخر وهو خريطة جوية إيطالية تعود لعام 1930 حُدّد فيها موقع المبنى وسمي بـ «بيت أمير البحر». وتمسّك نوار بهذه القصة وبرّرها بأن جدة ميناء يستقبل الكثير من السفن وهذا المعلم فنار لإرشاد السفن. وحين راجت هذه القصة كان لا بد من تصوّر ذلك الأمير شبيه السندباد، فإذا بالخيال يقدم قبطانًا كان يعمل في البحر أراد بناءً يرشد السفن إليه، أو أنه مدير بندر التجار يستضيف الوفود والولاة والباشوات بهدف الاجتماعات السياسية، أو أنه أدميرال يفصل في قضايا البحر والبحارة، أو أنه خفير في مركز للشرطة وأن هذا المبنى منشأة تابعة للقشلة. ثم شاع أن ذلك الأمير كان جنّيًا وأن البيت مسكون، ولا يستطيع أحد أن يقترب منه ليلًا، بل كلما حاولوا هدمه تكسرت شوكات الشيولات.
وفي تحرّك عقلاني متزن تصدّى عدد من رجال جدة الثقاة لهذه الشائعات وأعلنوا معتمدين على ذواكرهم الحادّة أن المبنى يعود لمن شيّده سكنًا خاصًا له وهو الأستاذ محمد علي عبده. في صف واحد وقف المؤرخ محمد رقام والجداوي محمد صادق دياب والدكتور عبدالله مناع والأستاذ محمود بترجي والشيخ أحمد باديب وغيرهم ليشهدوا على ملكية ذلك الرجل لهذا البيت وأنه لا يمكن لا بالعقل ولا بالنقل أن يكون فنارًا داخل بحيرة ضحلة على الناحية الأخرى من الميناء الرئيس.
لكنّ أمانة جدة تعتز جدًا بالخريطة الجوية الإيطالية وتضعها على الرأس والعين، فهي تصرّ- وقد خطت خطوات رائعة في ترميم المنزل وإعادته إلى الحياة- أن تضع أمامه لوحة تعيد كتابة التاريخ وتطمس اسم محمد علي عبده، لوحة كتبت عليها: «بيت أمير البحار»!!!.
بيت محمد علي عبده.. أساطير الخرائب «1»
تاريخ النشر: 07 أبريل 2016 01:32 KSA
تدبّ الحياة من جديد في بناء كان قد شارف على التلاشي..
A A


