هذا المبنى الأثري الذي قاوم الهلاك يخضع اليوم لعمليات ترميم جذرية تعيد إليه رونقه، لكن على مدخله وضعت أمانة جدة لوحة باسم أمير البحار، شخص خرافي لم يسمع به سكان جدة قط. تستند البلدية على خارطة جوية إيطالية أشارت إلى موقع البيت باسم غريب لم يرد في أي كتاب عربي يوثـّق لتاريخ مدينة جدة. لكن الموثوق منه في ذاكرة الناس وشهود العيان الذين عاصروا بناء هذا البيت وبشهادة البلدية هو أن صاحب هذا البيت هو الأستاذ محمد علي عبده رحمه الله.
كانت والدة جدي السيد مصطفى جعفر اللقاني، ووالدة الأستاذ محمد علي عبده أختان من بيت الرشيدي، فهما ابنا خالة، لكن فارق السن بينهما جعل جدي يعامله كأخ كبير، وبالتالي كان الرجل بمثابة عمّ لأبنائه. كان محمد علي عبده أفندياً راقياً وصاحب ذوق رفيع، وفناناً يحب الطرب ويجيد العزف على آلتي العود والكمان، كما كان متأملاً يحب البحر ويهوى الصيد. عمل في البنك الهولندي، ثم أصبح مديراً للكنداسة. تزوّج من السيدة بدرية بترجي وعاش معها حتى توفاه الله، لكنهما لم يرزقا الذرية، فبقي بيته مفتوحاً لأبناء وبنات جدي وبقي هو محباً للناس ولصحبة الرفاق ولجلسات النقاش ولعب الشطرنج.
في الأربعينيات من القرن العشرين كان يتوق للعيش على ضفاف بحر الطين، فحصل على منحة أرض في البقعة التي اختارها، ولابد أنه استعان ببنائين محليين وربما أجانب في تصميم وتشييد المنزل، لكنه كان صاحب الفكرة والحلم والكثير من الجهد. خرج محمد علي عبده من حارة الشام إلى فضاء جدة الفسيح بعد إزالة السور عام 1947، كغيره من الناس، وحين انتهى بناء البيت في 1950 كانت المنطقة مأهولة، فبجواره محطة الكتبي ومستشفى رضوان وبيت بادكوك. معنى ذلك أن الرجل لم يكن مخبولاً ولا مكلفاً بمهمة مراقبة السفن أو حراسة الشاطئ، فقد سبقه إلى تلك البقعة وما وراءها آخرون.
كان البيت جميلاً ومختلفاً وله إطلالة مباشرة على البحر، وقد رفعه على أعمدة لكيلا تصل المياه إلى الأدوار العليا، كما وضع أمامه سقالة طويلة تصل إلى عرض البحر، يجلس في آخرها ويصطاد. في الدور السفلي بنى جراجاً للسيارة وحين يمُدّ البحر يحميها فيه من الماء، ويخرج من بيته إلى الشاطئ بمركب صغير. لديّ حكايات من أخوالي وخالاتي عن زياراتهم المتكررة لهذا البيت الذي يبعث على الانشراح، وعن الهواء العليل الذي يسري من شبابيكه الثمانية، وعن انعكاس أضواء فوانيسه على الأمواج المتراقصة.
لم يكن لمحمد علي عبده أهل غير أخت اسمها صفية لم تتزوّج، فكانت عائلة جدي هم أهله. وقد ذكر إخوة له من الأب لكنه لم يتواصل معهم. لذلك حين ظهر له أقارب من عائلة الجهني الصريصري على مواقع الانترنت لم يكن ذلك مستغرباً، رغم أنه لم يفصح في حياته عن اسم عائلته كاملاً.
فيما يشبه الحلم، أذكر أن والدتي اصطحبتني لزيارة عمّها في مرضه. في بيته الذي بناه بنفسه وأحبّه لقربه من البحر الذي يعشقه، كان يعاني من أمراض الرطوبة التي نخرته. لم يعد يستطيع الخروج للسقالة ولا الصيد من البحر، ولا عاد قادراً على احتضان عوده ليعزف على صوت الأمواج. نصحه الأطباء بمغادرة البيت، فخرج منه ومات بعيداً عنه، وكانت البلدية قد نزعت ملكيته في حياته لشق طريق يمر به ودفعت له تعويضاً وصار الصك في حوزتها.
هذا ما أعرفه عن هذا المبنى التراثي المثير للخيال، وهذه شهادة من عائلة جدي للتاريخ. سيظل محمد علي عبده الذي لا يعرف أهل جدة مالكاً ولا بانياً لهذا المنزل البديع غيره هو الحقيقة أمام زخم من الأساطير، لذا فهو الأجدر بوضع اسمه على لوحة البيت من (أمير بحار) برز فجأة من ظلمات المجهول.
بيت محمد علي عبده .. أساطير الخرائب «2»
تاريخ النشر: 14 أبريل 2016 01:11 KSA
هذا المبنى الأثري الذي قاوم الهلاك يخضع اليوم لعمليات ترميم جذرية تعيد إليه رونقه، لكن على مدخله وضعت أمانة جدة لوحة باسم أمير البحار، شخص خرافي لم يسمع به سكان جدة قط.
A A


