ظاهرة غريبة تخترق العالم العربي بلا استثناء، تلك المتعلقة بترجمة النص الواحد العديد من المرات؟ يكفي أن نرى كم مرة تُرجمت رواية دون كيخوتي لسرفانتس نحو الفرنسية مثلا لنُدرك أن المسألة ليست سهلة، وليست عبثية أيضًا. لأن الترجمات كثيرة. نجد ترجمة فياردو Viardot التي ما تزال تقرأ إلى اليوم على الرغم من أنها ليست وفيّة للنص الأصلي. وترجمة أودان Oudin للجزء الأول ١٦٠٥ من الرواية نفسها وصديقه روسيRosset للجزء الثاني ١٦١٥. وترجمة جون كنافاجيو Jean Canavaggio لصالح غاليمار. وترجمة آلين شولمان Aline Schulmane الحرة التي أعادت النص إلى أصله الأول الشعبي وليس إلى الثقافة الكلاسيكية الأنيقة كما أرادها الكثير من المترجمين، وسرقت من الرواية صبغتها الشعبية الأصلية. الهدف من الترجمات الجديدة هي العودة إلى نص مهم، غيّر العالم نقديا وأدبيا، ويستحق كل الاهتمام. لقد صنعت هذه الرواية جزءًا من الذاكرة الغربية والعالمية، كما صنعت جزءًا من الذاكرة المحلية. الرواية الحديثة تدين لهذا النص بالكثير. لكن الكثير ممن قرأوها في الترجمات العربية تفاجأوا من ثقل النص وغياب المتعة فيه. ربما لم تستطع الترجمة العربية أن تدخل إلى روح النص، ببعض الخفة. فهو في النهاية نص شعبي. ويحتاج إلى الكثير من الذكاء اللغوي لترجمته. ألا يمكن مثلا الدخول إلى هذه الشعبية باقتراض لغة عربية بسيطة وأقل تعقيدا مما هو متوفر اليوم؟ مهم لكنه ليس بسيطا لأنه سيضع المترجم أمام إحراجات مثيرة عليه حلها. هذا الجهد سيضع اللغة العربية أيضا في مواجهة نفسها مثلما حدث مع اللغات الأخرى. أي إلى مدى تستطيع هذه اللغة أن تتخلى عن أرستقراطيتها وتقبل أن تهوى قليلا من داخلها؟ من هنا، ليست مسألة الترجمات المتعددة مجرد نفض للغبار بقدر ما هي مسألة ثقافية تضعنا على حافة الأسئلة التي عاشتها أجيال سابقة ونعيشها اليوم. أجيال جديدة تبحث عن جديدها وثقافتها. ترجمة النصوص الاستثنائية هو حاجة جيلية تفترض بالضرورة ترهينًا للنص لغويا وأسلوبيا. كثيرًا ما أخذت على سرفانتس بلاغته الزائدة مما دفع بالكثير من المترجمين إلى تحويلها عميقًا على أساس أن القارئ اليوم لا يتقبّلها نظرًا لثقلها وأحيانا تتحوَّل إلى زوائد منهكة للنص. ليجد القارئ نفسه أمام نص نزع جزء من روحه. كأن تأخذ نصوص الجاحظ مثلا وتبتر منها كل الاستطرادات والزوائد البلاغية وتُقدِّمه بحجة تخفيف الترجمة للقارئ، فيصبح النص المترجم بلا هيكل عظمي. مجرد هلام لا نقرأ فيه لا روح العصر والخصوصية الثقافية واللغوية. إلى أي حد نكون قد وفينا الثقافة حقها بهذه الترجمات المبتورة عميقا؟ أن نضع النص في سياقه الثقافي وتاريخه أولًا ليفهم القارئ بأن الأمر يتعلق بشيء لا يعرفه، عليه أن يتعود عليه بالمعنى الأدبي. وبعدها نشتغل على أدواته، هذا شيء آخر تمامًا. يمكننا طبعا أن نجر القارئ نحونا بكل الصدق الذي يجب اتباعه لإقناعه بجدوى نص؛ مثل دون كيشوت أو دون كيخوتي، هو في النهاية من ميراث الإنسانية في بدايات القرن السابع عشر لتقديم طرقه وأساليبه، ولكن للمعاصرة شروطها داخل هذا العالم. تقتضي من النص أن يصل نحو القارئ بأبسط السبل لأن المزاحمة والمنافسة كبيرتان. ربما كانت هذه هي المعادلة الأصعب والأقسى في الترجمة الجديدة. وهو ما نفتقده كليًّا للأسف. نحتاج اليوم إلى استعادة الأدوات الثقافية والترجمية، التي تجعل من الترجمة ليس فقط عملا تقنيا ولكن جهدا إنسانيا لاستعادة النصوص في كامل قوتها وبهائها. أي بوضعها في مواجهة العصر الجديد بكل التغيرات التي يفرضها هذا الزمن وشكل المقروئية. أن تترجم كتابا مترجما من قبل العديد من المرات أصعب بكثير من أن تترجم نصا جديدا. لأنك في هذه الحالة عليك أن تثبت نقائص الترجمة الأولى وجدوى الترجمة اللاحقة، حتى لا يكون الجهد المبذول مُجرَّد تكرار عبثي لجهد سابق وربما كان أفضل.
هل إعادة ترجمة النص الواحد.. ضرورة؟!
تاريخ النشر: 21 أبريل 2016 01:57 KSA
ظاهرة غريبة تخترق العالم العربي بلا استثناء، تلك المتعلقة بترجمة النص الواحد العديد من المرات؟
A A


