كان الجو بديعًا يوم اخترت أن أجرب ممشى الجامعة الجديد، وكنت قد سمعت وقرأت عنه كثيرًا مما أثار فضولي وحمّسني. لم تكن الشمس قد غربت لحظة وصولي، وما أن ترجلت من السيارة حتى أضاءت المصابيح التي كانت منتشرة على طول الممشى حتى أنني لم ألحظ غياب الشمس التدريجي. امتد الممشى أمامي على مد النظر وبدأت خطواتي تنتظم على الرصيف العريض وعيناي تجولان في الفضاء الممتد.
كان المكان الواسع ممتلئًا بالناس فرادى وجماعات، عوائل وشباب، أطفال وكبار في السن، زادهم الجو الجميل بهجة وإقبالًا على المشي والهرولة بنشاط. لم يكن أحد يهتم بأحد، والكل منهمك فيما جاء من أجله: مررت بمنطقة رملية نـُصبت فيها ألعاب للأطفال وكانت زاهية بألوانها وألوان ملابس القافزين والمتسلقين والمتأرجحين، زاهية بضحكاتهم وتدافعهم وتمازحهم. على يمين مساري جلس رجل وزوجته يحتسيان الشاي على كرسيين بالقرب من سيارتهما. وعلى يسار مساري افترشت العائلات أجزاء من المسطحات المغطاة بالحشيش الأخضر يقتسمون أطعمة خفيفة. كان الشباب يُهرولون على أنغام الآيبود في مسار خاص للجري في الجانب الآخر للممشى ينتهي بهم إلى منطقة أخرى بها ما لا يقل عن 20 جهاز رياضي، وفيها متسع للأطفال الأكبر سنًا للعب الكرة وركوب الدراجات والسكيتات بأنواعها. كنت أتحرك بين الناس ويتحركون من حولي في منظومة جمعية محفـّزة.
حين تعبت في منتصف المشوار جلست لأستريح على أحد المقاعد الحجرية المنتشرة في كل مكان، وجُـلتُ ببصري لأتأمل أنواع مختلفة من الأشجار والزهور والنخيل المتراصة بشكل متسق، وكان انطباعي الأول أن كلمة ممْشى لا تكاد تصف المكان، فهو منتزه متكامل ومتنفس عام لسكان جدة وزائريها. والحقيقة أنني شعرت بالسعادة والفخر بهذا المكان (الجديد) وتنظيمه ونظافته، وأعجبتني الروح التي سادت المكان، روح المشاركة مع الغير في مساحة عامة واحترام الحريات الخاصة وعدم التطفل أو المضايقة للمرتادين. أعداد كبيرة من المتنزهين ولم يكن بينهم رقيب ولا حسيب، كلهم يتصرفون برقي وتحضر بالغ، لا يعترضون على أحد أو يتدخلون في شأن أحد، ورغم ذلك فإن الفرد يشعر بالأمان بين الجماعة ويستأنس وجودها من حوله.
ولكن.. كانت هناك ضرورة لرقيب يتابع سلوكيات المحافظة على نظافة المكان. الممشى الجميل به 70 سلة مهملات، وربما عدد مماثل من حاويات الزبالة بجانب المواقف، ولكن حين راقبت المنظر من قرب رأيت قوارير الماء البلاستيكية وعلب المشروبات والأكياس والأوراق وبقايا الطعام وكم هائل من قشر الفصفص يتناثر هنا وهناك. كدت أتدخل وأضايق وأعترض وأسأل بحنق وغضب. لماذا؟ أريد حقًا أن أفهم كيف يحب الانسان مكانًا ويقبل عليه ويقضي فيه أوقاتًا ممتعة ثم يسئ استخدامه ويفسده؟ إن لم يكن يهتم بالآخرين ولا بمشاعرهم، فلماذا لا يهتم بنفسه ويحافظ على ما يسعده هو؟
والأمر الثاني المزعج بالنسبة لسلوكيات الناس في الأماكن العامة هو أخلاق الأطفال. عندما تهبط العائلة من السيارة ينطلق الأطفال في الفضاء المتاح وحدهم دون أن يتولاهم أحد بالملاحظة والنصح والتنبيه. وقد لاحظت يومها أن للأطفال نزعة تخريبية عجيبة، كالتعامل بعنف شديد مع الأجهزة الرياضية والرغبة العارمة في خلعها وتعطيلها، وركل الكرة في اتجاه لمبات الإضاءة بغرض كسرها، ونزع الشجيرات وتفتيتها، وتحويل 16 حمامًا إلى مساحات فيضانات متعفنة.
لا بد من رقيب هنا، بل ولا بد من جزاءات مالية تضمن المحافظة على الممتلكات العامة وعلى جماليات الأمكنة المفتوحة لمصلحة الناس جميعًا.
المنتزهات العامة وغياب الرقابة
تاريخ النشر: 21 أبريل 2016 01:57 KSA
كان الجو بديعًا يوم اخترت أن أجرب ممشى الجامعة الجديد، وكنت قد سمعت وقرأت عنه كثيرًا مما أثار فضولي وحمّسني.
A A


