كلّ خلافٍ ما بين الفقهاء، مهما بدا صغيرًا، أو سخيفًا أو خفيفًا، هو أشبه بالبذرة المزروعة في خاصرة الأمّة، وكثيرًا ما أورد خطاب الخلاف المهالك، وكثيرًا ما سعى إلى زرع سهام الفتنة، وقوض الكثير من أوشاج الوصل والاتّفاق، ونثرَ أوتاد القطيعة على خلافات فقهيّة قد تكون في حالاتٍ كثيرة خفيفة الوزن قليلة الضّرر تبلغ حدّ الاضرار بمصالح المسلمين، وتقويضًا لأوتادهم، ودعمًا لأحزاب الشّيطان وأعوانه...!
وممّا يزيد الطّين بلّه؛ أنّ ينضم إلى هذا الخلاف زمْرة من الأتباع والدّهماء حتى استحال الأمر إلى قطيعة جماهيريّة انتصارًا لهذا الفقيه أو ذاك..!!
وقد تنضم إلى الخلاف الفقهي قضايا شخصيّة، تنبع من مآرب نفعيّة؛ فإذا الائتلاف يذوب، والخصومات تغري بين فقيه وآخر بسبب تافه يذوي حال المراجعة، ويذوب بالتصحيح والمفاهمة.
وتسوقًا مع قلت به سلفًا نجد المفكر الإسلامي محمد الغزالي في كتابه (دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين) يشير إلى شيء من هذا حينما قال:» وفي تجوالي بأرجاء العالم الإسلامي رأيت خلاف الفقهاء من ألف عام ويزيد يقسم المسلمين طوائف متباعدة، ويغري الرجل أن ينظر إلى أخيه شزرا في قضية خفيفة الوزن، وربما رفض الصلاة خلفه!».
والملاحظ أنّ هذا الخلاف لا يقع فيه أكابر العلماء وأئمة المذاهب المعروفة؛ ولكنّه خلاف يتّصل -غالبًا- بأتباع هؤلاءِ الأئمّة ومريديهم ممّن انشغلوا ببؤر الخلاف والشّقاق، وتصيّدوا مراصد الانغلاق والارتهان، ووقفوا عند صوت أحادي الرّؤية والطّرح، فوقع منهم الكثير من الخلاف والقطيعة أكثر ممّا يصدر عنهم من صواب وائتلاف.
إنّ الفقه المذهبي -حسب وصف الغزالي- مرّ بأدوار بعدت به آخر الأمر عن منابعه الأولى، فقادة المذاهب كانوا يشرحون الكتاب والسنّة، ويعدّون شروحهم (اجتهادًا) مقنعًا لهم ولمن معهم؛ ولكنّهم ما رأوا قط أنّ الصّواب حكرٌ عليهم، ولا عَادوا غيرهم فيما فهموا هم.
وأخيرًا جاء الأتباع؛ فأخذوا أقوال أئمتهم على أنّها الأصل الذي يشرح، ونظروا إليها كأنّها الدّين الذي يتبع، ونشأ عن هذا جفوة بين مقلديّ المذاهب المختلفة، كما نشأت جفوة بين كُتب الحديث وكُتب الفقه!!
ويصف الغزالي هذا المسلك بـ»العوج الثّقافي» الذي أضرّ كثيرًا بأمّتنا، مع اليقين أنّ لكلّ إمام نزعته العقليّة، ومنهجه الخاصّ في الاستدلال؛ بيد أنّ أحدًا منهم لم ير الآخرين دونه، كما أن شرف أيّ إمام في ارتباطه بالكتاب والسنّة معًا، ليظهر ان ثمّة أقوامًا من المشتغلين بالحديث يطعنون في الأئمة كلًا أو بعضًا، وهذا حمق، ولو أنّهم عابوا مقلديّ المذاهب في جمودهم وضيق باعهم لكان ذلك أرشد وأصلح.
وفي هذا السياق يقول الغزالي:» لقد تتبعت نفرًا من هؤلاء فوجدتهم بلاءً على السنّة؛ قال أحدهم: إنّ أبا حنيفة ترك السنّة الصّريحة وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم. قلت: فيم؟ قال: يقتل المؤمن الكافر. قلت: نعم، يقول أبو حنيفة: إنّ المسلم إذا قتل رجلًا من أهل الذمّة قُتل فيه، ودليله على ذلك من القرآن «والنّفس بالنّفس»؛ فلا فارق بين حرّ وعبد، ولا مؤمن وكافر، وقد جعل الحديث في المحاربين ومن لا عهد لهم. قال: هذا خطأ. قلت: خطأ أو صواب، كيف استسغت أن تتّهم إمامًا بمخاصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستند إلى أساس دينه، إلى القرآن نفسه؟، قال: ترك الحديث الثابت!، قلت: ترك الحديث الثّابت إلى حديث آخر ثابت مقبول، وتركه إلى القرآن مرفوض!، قال: كيف؟ قلت: صحّ في السنّة أنّ الفخذ عورة، وصحّ كذلك أنّها ليست بعورة، فهل الآخذ بأحد الأثرين تارك للسنّة، لأنّه أهل الآخر».
إنّ ترجيح دليل على دليل ليس هجرًا للسنّة ولا تركًا للدّين؛ ولكن التّطاول والجهل هما مظهر الخروج على السنة!
وللحديث تتمة -إن شاء الله-.
الخلاف الفقهي.. بذور تترى في خاصرة الأمّة
تاريخ النشر: 22 أبريل 2016 03:43 KSA

كلّ خلافٍ ما بين الفقهاء، مهما بدا صغيرًا، أو سخيفًا أو خفيفًا، هو أشبه بالبذرة المزروعة في خاصرة الأمّة، وكثيرًا ما أورد خطاب الخلاف المهالك، وكثيرًا ما سعى إلى زرع سهام الفتنة، وقوض الكثير من أوش
A A


