Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

وسائل القطيعة الاجتماعية

أينما اجتمعنا تنضم إلينا تلك الأجهزة الساحرة ببرامجها وأخبارها وصورها، فتفسد اللقاء بيننا وتسحب من تحته بساط البهجة والحبور. المكان غير مهم لكن الوضع المجتمعي الذي أُلنا إليه هو محور الاهتمام.

A A
أينما اجتمعنا تنضم إلينا تلك الأجهزة الساحرة ببرامجها وأخبارها وصورها، فتفسد اللقاء بيننا وتسحب من تحته بساط البهجة والحبور. المكان غير مهم لكن الوضع المجتمعي الذي أُلنا إليه هو محور الاهتمام. مرة في الأسبوع كانت تلتقي عائلتي وقد زادها الشوق إقبالًا على اللقاء وتبادل الأحاديث وسماع الأخبار والضحك الصاخب، حتى أننا ما كُنَّا نشعر بمرور الوقت. لكن قروب العائلة على الواتس آب جعل أفرادها يتقاعسون عن التزاور ويتخلفون عن اجتماع العائلة فهم على اتصال دائم مع بعضهم، يعرفون كل مستجد ويقومون بالواجب الإلكتروني فيُودّعون مَن سافر، ويُرحّبون بمَن عاد، ويُهنّئون بالأعياد وبالمناسبات السعيدة، ويُواسون في الأتراح، ويتآزرون كتابةً وقراءة.
حلّ الاتصال الدائم في (مجموعة العائلة) محل الاجتماع الحيوي في بيتنا، فغابت الوجوه تدريجيا وتلاشت الأصوات واختفت التعبيرات وأصوات الضحكات، منذ «صباح الخير» و»جمعة مباركة»، حتى «تصبحون على خير» و»الله يرعاكم»، والأعضاء يتردّدون على الغرفة الافتراضية وهم يترقبون آخر الأخبار والنكت والفيديوهات الخفيفة من بعيد لبعيد، ليساهموا في القروب: وأنتم في بيوتكم ونحن في بيوتنا، لا تزاور ولا تحادث وجهًا لوجه.
أما وقت الاجتماع الحقيقي فلا يختلف الوضع كثيرًا، بعد المقدمات المعتادة يعمّ الصمت فجأة لتعلو أصوات طقطقة الأصابع فوق أزارير الأحرف، وتتخلَّى العيون عن مهمة تبادل النظرات لتتحوَّل إلى مشاهدة الشاشات الساطعة التي تسلب المكان حيويته وصخبه وتواصله التخاطبي البشري. ولك أن تنبه الحاضرين، أو أن تعترض على وضع الانسحاب الشامل، أو أن تصرخ، أو أن تغادر المكان ساخطًا، فالوضع سيبقى على حاله وستكون الخاسر الوحيد. ربما نظروا إليك ليعيبوا عليك تخلّفك عن الركب، أو ليلوموا تدخّلك السخيف في ممارسة ترفيهية لطيفة، وربما توقَّفوا للحظة مراعاةً لطلبك، لكنهم سيُعاودون الانسحاب إلى داخل الفضاء الإلكتروني كالمُساقين بلا إرادة.
في اجتماعات العائلة يدّعي الأفراد أنهم على تواصل مع الأصدقاء، لكن اجتماعات الأصدقاء تعاني أيضًا من نفس الاختطاف من وسط اللقاء الحميمي إلى داخل العوالم الافتراضية. في آخر لقاء لي مع صديقاتي اشترطتُ شرطًا مُسبقًا ألا تُشاركنا الأجهزة جلستنا، فكان وعدًا وموعدًا. لكن، كلما أخفت واحدة جوالها أخرجته الأخرى فقطعت الحديث بخبر أو نكتة أو صورة أو سيلفي، وكما قـُطع الوعد تقطـّعت أوصال الموضوع الوحيد الذي نجحنا في طرحه بين التصوير والرفع وقراءة التعليقات على سناب تشات أو تويتر أو انستجرام. كان حضور وسائل التواصل طاغيًا رغم وعينا الفردي والمجتمعي بضرورة الاستغناء عنها للاستمتاع باللقاء، إلا أن التصاقنا بالأجهزة أصبح قسريًا وكأنه طقس أصيل في حياتنا.
واضح أننا اكتفينا بالتواصل الافتراضي بديلًا عن التفاعل المجتمعي الحقيقي. في كل مكان وبين مختلف الأجيال لا تشاهد غير منظر واحد: رؤوسًا منحنية، وأصابع تُسابق بعضها، وعيونًا تبحلق في أسطح باردة، أفراد مجتمعين لكن عقولهم وقلوبهم شتى. لا بد أن هذا الانسلاخ يُؤثِّر على درجة اندماجنا مع محيطاتنا القريبة، وإن أوهمنا بتعزيز التواصل مع محيطاتنا البعيدة. في عزلته الحقيقية ينزوي الفرد منّا خلف شاشته، وينهمك في تنزيل الصور وتحميلها، وفي كتابة التعليقات والإضافة إلى المفضلات وإرسال الليكات، فينفصل عن الدفء والقُرب الأسري والمجتمعي الحقيقي كلما ازداد تواصله مع أصدقاء بلا روح في عالم افتراضي بعيد.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store