بالشّخصيّة الوطنيّة يُناط أشرف أسباب الحياة؛ وهما الأمل في السّمو والارتفاع، والأخذ بكل أسباب التّقدم والازدهار. فما أحوجنا جميعًا -دون استثناء- إلى شيءٍ من روح التّجديد والمثابرة، فليس أظهر من الحقّ في الوقت الحاضر من فكّ العقول من أسرها، ونبش الأفكار من قيدها القديم، الذي لا فضل لقديم، عند قبيل من الناس؛ سوى أنّه قديم، أو متوارث!
لم يكن غريبًا، خاصّة في ظلّ تبنّي حكومة المملكة «رؤية السعودية 2030» أنّ تعقبها بعض الأوامر الملكيّة، بوصفها أوامر ساميّة تحمل في طياتها مرتكزات أساسيّة تطمح إلى تحقيق تلك الرؤية السعوديّة.
فإعادة بناء وهيكلة الكثير من مؤسّسات الدولة ووزارتها -مثلًا-؛ فضلًا عن إلغاء ودمج عددٍ من الوزارات والأجهزة والهيئات الحكوميّة؛ هي في الجملة، تشكّل أبعادًا تتساوق ومقتضيات المرحلة الرّاهنة وتحدّياتها، وتتطلّع في الآن ذاته إلى مجانسة مستقبليّة تهدي إلى مكامن القوّة، كما تهدي إلى مواقع الوجود.
إنّ معرفة الأبعاد الزمانيّة لتلك الأوامر الملكيّة وما يتعلّق بها من سياقات مرحليّة: سياسيّة، واقتصاديّة، وثقافيّة، واجتماعيّة؛ تكشف عن سعي خادم الشريفين الملك سلمان -حفظه الله- ومثابرته إلى تحقيق أهداف «الرؤية السعودية 2030» على جميع المستويات بناء على أسس علميّة، ستعطي بلا شكّ، على المدى القريب، والمنظور البعيد أهدافها الكبرى، بحيث تتآزر معًا لتحقيق تنمية مستدامة بمعايير علميّة ومقاييس صحيحة، ليس قصرًا على جيلٍ واحد؛ ولكنّها تتجاوز ذلك بتقدم عطاءات وروافد متجدّدة في الآن ذاته لأجيال متلاحقة؛ سواء على المستوى الاقتصادي، أو الاجتماعي، أو الثقافي.
إنّ «الرؤية السعوديّة 2030» وما يتّصل بها من أوامر ملكيّة لاحقة تكشف عن وعي حكومي بأبعاد المرحلة وتحدّياتها وإرهاصاتها، وتعطي، إضافةً إلى ذلك، درسًا عمليًّا وواقعيًّا حينما تتحوّل «الرؤية» من إطارها النّظري إلى الممارسة الفعليّة، بعيدًا عن زيف الارتجال والثّرثرة!
ولعلّ القراءة الأوليّة لجملة تلك الأوامر الملكيّة أنّها لم تستهدف الكيانات الاقتصاديّة فقط؛ ولكنّها تعاضد احتياجات كيان الإنسان السعودي اجتماعيًّا، وثقافيّا بوصفهما من أبرز مقوّمات الحياة الكريمة، إذ إنّ كلّ إصلاح في شأنٍ من شؤون الأمم لا يتناول تصحيح مقاييس الحياة فيها فهو عبث فارغ، لا يستحق عناءه، كما لا يستحق بذل الجدّ وراءه.
إنّ الأمّة، أي أمّة كانت، لن تستطيع الارتقاء بكيانها في ظلّ الأنانيّة الفرديّة، والأنانية الجماعيّة، ولن تثبت أقدامها على بساط من حياة الرّخاء، والجمال، والحقّ، والعدل، والارتقاء في سلّم العلا وفيها من ينْخر في عمل الصّالحين، ويهدم ما تصلحه يد الخيّرين، فإذا أردنا كأمّة سعودية أن نرتقي بهذا الوطن بسبيلٍ من مكوّناته ومقدراته، وبما فيه من خيرات تستعصي عن القريب؛ فضلا عن البعيد؛ فلن يتحقّق ذلك إلاّ بمحرّكات داخليّة تبعث في روعها مقتضيات النّشوء والارتقاء، والسمو والاستواء، وتنجز بسواعد أبنائها معضلات المستحيل، مستقصية سبيل الأخطاء بالمناجزة والمثابرة، بحيث تباري الأمّة في مضمار الحضارة والمنافسة كلّ الأمم المتقدّمة.
إنّ من يقرأ «الأوامر» الملكيّة السّابقة واللّاحقة وما بينهما من «رؤية» لن يجدها قاصرة على الرّقي بالكيانات الاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة فقط؛ ولكنّها في مقامها الأوّل والأسمى تسعى لتحريك وعي الإنسان السعودي، فإذا ارتقى مضمار الوعي الفردي والجماعي به فحريّ بكيانه بعدئذٍ ألاّ يتراخى أو يستلقي.
الأوامر الملكيّة: مقدّمات لتحقيق «الرؤية السعودية 2030»
تاريخ النشر: 13 مايو 2016 02:31 KSA

بالشّخصيّة الوطنيّة يُناط أشرف أسباب الحياة؛ وهما الأمل في السّمو والارتفاع، والأخذ بكل أسباب التّقدم والازدهار.
A A


