بموت الضمير تموت أنت وتموت كل المعاني الجميلة، ولكن دون أن تشعر بسكرات الموت، وتشيّعهم وحيدًا بخطوات متباعدة إلى مثواهم، وتدعو لهم بالرحمة، ثم تعود إلى دُنياك التي تركتها قبل لحظات مجرَّد جسد، أوردته باردة، تُحرِّكها نزعة الشر التي استوطنت خلايا الجسد في امتلاك أشياء غير ملائمة لك، وأفعال يخجل منها الجبين، ولكن وبرغم ذلك أنت تسير في حياتك واثقًا من قدراتك عبر طرق مُتعرِّجة شائكة ومظلمة، تأخذك الى أنصاف الحلول المُعقَّدة، لأن الشر القابع في زوايا نفسك يمتد فيك إلى ما لا نهاية، ويُزيِّن لك الفعل القبيح على أنه الإنجاز المدوّي، وعندها تتساوَى كل الأشياء، وتختلط الألوان، وتتبعثر الأوراق، وتتحرك بين الناس مُتخفِّيًا تحت ظل ظلك الخائف والمتهالك، الذي جعلك مُكبَّلا بقيود الوجع، ومتهمًا في سجن محكمة الضمير، فالضمير هو صوتك الرابح، ولكنك تخسره عندما تُكمِّم فمك عن قول الحق، والضمير هو مسرح حياتك، ولكنه لا يرضى لكَ أن تكون بطلًا برتبة كومبارس من وراء الكواليس، والضمير هو جواز مرورك إلى دنيا الفضيلة، ولكن بدون أن تخضع ملامح وجهك لعملية تجميل، لأن جروح الضمير مهما كانت سطحية لا تلتئم أبدًا.
الحياة من حولنا وبأحداثها تكشف لنا تفاصيل لقصص مات فيها الضمير وبالضربة القاضية لكل مَن باع نفسه لمَن دفع له قيمة نزوته، غير مبالٍ بما أحدثه، فالضمير هو كتلة المشاعر والأحاسيس، وهو ميزان التمييز لتوضيح الخطأ من الصح، وهو ضبط النفس لمنع وقوعها في الخطأ، وهو جرس الإنذار داخلك، وهو الذي يُحاسبك في كل حركة وسكنة، وإذا أرضيته بما يرضي الله رضى عنك، وبعيدًا عن المفردات، هو المفهوم الأشمل لراحة حياتك، وطمأنينة قلبك، وهو الشعور الفطري الذي أودعه الله في طبيعة إنسانيتك، وهو الاستعداد النفسي العالي لإدراك الفعل الطيّب من الخبيث، والجدار الفاصل بين الحق والباطل، وهو الذي يجعلك تشعر بالندم عندما تتعارض الأشياء التي تفعلها مع قيمتك الأخلاقية التي تربّيت عليها، وعندما تحاول الاقتراب من ضميرك الحي أكثر وتعقد اتفاقية صُلح معه، يتصالح الكون معك، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: «الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله».
موت الضمير لدى شخصٍ ما، هو الأزمة الإنسانية الاستثنائية في حياته، لأنه موت مؤقت، وفي لحظة ضعف، فتؤرق مضاجع نومه، وتُدخله في نوبة التأنيب الطويلة، وتغرق داخله بطوفان دموع الألم الثائر، لأنه مقتنع أنه ليس ذلك الظل الرمادي، ولا تلك اليد التي طالت أكثر مما ينبغي، ولا تلك الذكرى المؤلمة التي يجب أن تظل حبيسة النسيان.
* رسالة...
ضميرك هو حارسك الأمين الذي يمنع وصول المُتربِّصين إلى حدودك الشاسعة، فحافظ على سلامته.
موت الضمير
تاريخ النشر: 22 مايو 2016 01:51 KSA
بموت الضمير تموت أنت وتموت كل المعاني الجميلة، ولكن دون أن تشعر بسكرات الموت، وتشيّعهم وحيدًا بخطوات متباعدة إلى مثواهم، وتدعو لهم بالرحمة، ثم تعود إلى دُنياك التي تركتها قبل لحظات مجرَّد جسد، أورد
A A


