Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

تصنيع الشرق المستحيل!!

هناك وضعٌ أدبيٌّ عربيٌّ شديدُ الحيرة، غريبٌ أحيانًا، وشاذٌّ في أحيانٍ أخرى، مبهمٌ ولا يُدرَك بسهولة.

A A
هناك وضعٌ أدبيٌّ عربيٌّ شديدُ الحيرة، غريبٌ أحيانًا، وشاذٌّ في أحيانٍ أخرى، مبهمٌ ولا يُدرَك بسهولة. الساحة الثقافيَّة والأدبيَّة العربيَّة ليست هي سيِّدة نفسها، ولكنَّها خاضعة لتجاذبات قد تسرق منها نسغها، وجوهرها. ليست هي مَن يصنع الأحداث، وإنَّما هي مَن يتلقَّاها بعنفٍ شديدٍ. هناك كُتَّابٌ عربٌ كِبارٌ اختاروا أن يعيشوا في بلدانهم شرقًا مثاليًّا، لا يوجد إلاَّ في الكتب التاريخيَّة، وأذهانهم أيضًا. شرقًا أملسَ على الرغم من توتراته. وقد يعيش بعضهم الآخر على الحوافِّ العكسيَّة تمامًا، شرقًا ميِّتًا هو في النهاية حفنةٌ من رماد ثقيل الذاكرة. لا يرون من هذا الشرق إلاَّ إرهابه، وخوفه، وتخلُّفه، وفي الحالتين يتعاملون مع شرق مبتور. وهناك شرقٌ ثالث يختلف جذريًّا عن الأول والثاني، يعيشه الكاتبُ المهاجر، أو المغترب، أو المنفي. شرقٌ لغويٌّ. الكاتب في هذه الحالة، كثيرًا ما يكتب لقارئ أوروبيّ بالدرجة الأولى؛ لأنَّه هو مَن يقرأه، وهو مَن يرفع رايته الأدبيَّة ويمنحه جوائزه اعترافًا بما ينجزه. يسترجع من خلال نصوصه الأدبيَّة، الروائيَّة تحديدًا، شرقًا صنعه قبله الرحَّالة والكُتَّاب الأجانب، في ظل مفاهيم استشراقيَّة ترسَّخت مع الزمن، لدرجة أن أصبحت مؤشرًا أوَّليًّا على الكُتَّاب المهتمِّين، أو القادمين من الضفة الأخرى اتباعه إن هم أرادوا لكتاباتهم أن تصل للقارئ المعني بها. شرق البذخ والرقص والغرابة والغواية. شرق السحر والخرافة والتسلية التي تضع العقل العربي في أسفل درجة السلم. ويغيب فجأة شرق الحياة اليوميَّة التي لا تختلف في شيء عن بقية الحيوات البشريَّة بأحلامها، وأشواقها، وحزنها، وأفراحها. شرق المعاناة المنهك بسبب الحروب التي فُرضت عليه، وفي مواجهة حداثة قاسية ومستعصية. الشرق الغرائبي الذي تخلقه هذه الكتابات يوفِّر انتظارًا مستمرًا لدى مقروئية صُنِّعت بشكل أيديولوجي لا يمكنها أن تستوعب إلاَّ الصورة التي تم تصنيعها عبر السنوات والقرون. فالقارئ اكتشفهم من خلال رواياتهم التي تستجيب لأفق انتظاره الذي لم يتغيَّر منذ زمن طويل، لأنَّه ببساطة لم توجد هزّة مجتمعيَّة كبيرة بمكنها أن تربك الصورة النمطيَّة المهيمنة. حتى عندما غيَّر بعض هؤلاء الكُتَّاب مسارات كتاباتهم، وحاولوا العمل على شرق اليوم في صورته الحقيقيَّة والصعبة، وتناولوا موضوعات البيروقراطيَّة التي تأكل المجتمعات العربيَّة، والفساد التي تنخر بنياته الاقتصاديَّة، وحاولوا خلق نماذج بشريَّة حيويَّة ومقاومة في رواياتهم، تخلَّى عنهم فجأة قُرَّاؤهم؛ لأنَّهم لم يجدوا النمط الذي تعوَّدوا عليه. وتركهم الناشر أيضًا؛ لأنَّ الصورة الإيجابيَّة التي اشتغلوا عليها نزعت سحر الشرق وخرافاته التي يريدونها دائمة، وأنسنت الممارسة البشريَّة. لا سبيل أمامهم، إمَّا العودة إلى المسارات الاستشراقيَّة الأولى، أو الترك. فهم يعرفون جيِّدًا أن القارئ يتكوَّن عبر الاستمراريَّة والسنوات، وليس في القطيعة، ومن هنا وفاؤه. ولهذا أيضًا يظل ملتصقًا بالنموذج الذي عوَّد عليه قرَّاءه. لنا نماذج كثيرة في هذا السياق العربي. اشتهر أمين معلوف بالرواية التاريخيَّة، وظل وفيًّا لها وما يزال. حتى عندما كتب «صخرة طانيوس» التي خرجت عن ملحمته التاريخيَّة المعتادة، أو رواية «أصول» التي تناول فيها جزءًا مهمًّا من سيرته الذاتيَّة، أو رواية «التائهون»، ظل ينظر له من موقع التاريخ، ولهذا ظلَّت مقروئيَّته مستمرة، ووفيَّة إلاَّ في حالات نادرة. دور النشر في الغرب لا ترحم. توفِّر كل الفرص لشيوع النص، ولكن على هذا الكاتب أو ذاك أن يفرض نفسه في النموذج الذي اختاره، أو اختارته له الدار، وإلاَّ ستتخلَّى عنه، وعليه أن يبحث عن غيرها. الهاجس التجاريّ مهمٌّ وحاسمٌ، ولكن توفّر له كل السبل والوسائل بالخصوص بالنسبة لدور النشر المعروفة والكبيرة. ثلاثة نماذج كتابيَّة عربيَّة تصنع شرق اليوم، غير الشرقي الغربي، كلّ واحد بوسائطه، وجهوده، وترسانته القرائيَّة، لكنه شرقٌ مجزَّأ وممزَّقٌ، ولا نعرف أين هو الشرقُ الصحيحُ؟ فهل هو في النهاية مجرد صناعة أوروبيَّة، كما قال المُفكِّر الفلسطيني الكبير «إدوارد سعيد»، شرق الحاجات الثقافيَّة المهيمنة، والحضاريَّة والسياسيَّة أيضًا؟!.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store