في دول المعسكر الشرقيّ، انتفضت رموز الشيوعيَّة على نفسها قبل عقدين ونصف، وداست على مثُلها -إن كانت لديها مثُل- في الأرض النواة التي شهدت ميلاد أولئك المُتخلِّفين، الذين نادوا بالشيوعيَّة، وحطَّم الشعب -الذي عاش ويلات الجوع، والفاقة، وتعرَّض لزمهرير الشتاء- أصنام جهابذة الاشتراكيَّة، داسوها بأقدامهم، وألقوا بها في صناديق النفايات، ولا يزال -للأسف- من الأَعراب مَن يتبَاكَى على سقوط صرح الشيوعيَّة، رغم مرارة العيش التي ذاقتها بعض دول العالم الثالث، والتي دارت حكوماتها في الفلك الشيوعيّ، فجاء ذلك السقوط شهادة للتاريخ، ودلالة على ضيق أُفق الذين اعتنقوه كمبدأ وسياسة، وعلى عدم صلاحيَّته، وبنظرة على ما يدور حولنا، نجد أنَّ شعوب تلك الدول التي طبَّقت ذلك النظام تستجدي الخبز، وتفتقد إلى الكثير من مستلزمات حياتها الضروريَّة، بينما تنفق حكوماتها مدَّخراتها على تصدير المبادئ وتكديس السلاح.
في الاتحاد السوفيتي سابقًا، باع بعض ضبَّاط البحريَّة السوفيتيَّة جزءًا من الأسطول النووي الذي يُعرف باسم «أسطول البحر الأسود»، بالإضافة إلى عدد من الغوَّاصات التابعة للأسطول، والسفينة البحريَّة المشهورة (جرانوف) مقابل أن يُنشئوا بقيمتها مزرعة دواجن، ومصنعًا للآيسكريم!
الشعوب ليست بحاجة إلى الصواريخ النوويَّة، ولا للأساطيل البحريَّة، والقواعد الجويَّة، ولا لمبادئ وأفكار وأنظمة جديدة، ولكنَّها بحاجة إلى وجود ما يسدُّ رمقها، ومن أجل ذلك فضَّل ضباط البحريَّة السوفيتيَّة الدواجن، والآيسكريم على الأسطول النوويّ.
واليوم يرتكب الرئيس الروسي (بوتين) حماقات تُعيدنا إلى عهود ستالين، ولينين، وخروتشوف، إنفاق على التسلُّح، واحتلال لأراضي جيرانه، ولغيرها، بينما الاقتصاد الروسي يسير نحو الهاوية، والشعب يُعاني من هذه الضائقة، غلاء فاحش، وبطالة متفشِّية، وهجرة لدول الغرب لم تشهدها روسيا على مدار العقدين الماضيين.
هذه الدولة -التي سُن فيها صلة القرابة تُهمة تستحق العقوبة بشكل قانوني، وتعتبر أقارب المتَّهمين بالإرهاب إرهابيين، تفرض عليهم تعويضات ماليَّة، وتسمح للدولة بوضع يدها على ممتلكاتهم، وتجميد أرصدتهم البنكيَّة- هي نفس الدولة التي وقّع رئيسها قانونًا يسمح للمحكمة الدستوريَّة أن تبطل قرارات المحكمة الأوروبيَّة لحقوق الإنسان، وأعطاها الحريَّة في أن تُقرِّر إنفاذ، أو عدم إنفاذ قرارات المحاكم الدوليَّة لحقوق الإنسان.
يحدث في روسيا مثل ما يحدث في كوريا الشماليَّة من أحكامٍ على مسائل هايفة، كالتي أصدرها الرئيس الكوري عندما أمر بقتل وزير دفاعه بمدفع رشاش؛ لأنَّه نام أثناء عرض عسكري، وعندما أمر بإطلاق الكلاب على زوج عمّته، وعاقب شخصًا لم يُصفِّق له بحرارة بالسجن المؤبد، هو هذا الحكم الشيوعي في سياساته، وفي رعونته، وإن كان «بوتين» لم يُشرّعه؛ إلاَّ أنَّه يُطبِّقه. فمن لديه مزرعة دواجن فليُحافظ عليها، حتمًا سيحتاج الروس إليها بعد انسحابهم من الأراضي السوريَّة، والمقابل الغوّاصة النوويَّة الحديثة «فارشافينكا»!
أسطول نووي مقابل مزرعة دواجن!
تاريخ النشر: 27 مايو 2016 02:51 KSA
في دول المعسكر الشرقيّ، انتفضت رموز الشيوعيَّة على نفسها قبل عقدين ونصف، وداست على مثُلها -إن كانت لديها مثُل- في الأرض النواة التي شهدت ميلاد أولئك المُتخلِّفين، الذين نادوا بالشيوعيَّة، وحطَّم الشعب
A A


