Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

الباسيفيكي قلب العالم.. فأين نحن فوق خارطته؟!

أنا من جيل جرى تلقينه في المدارس، أن العالم العربي هو قلب العالم ومركز الكون، وأنه يتوسط ثلاث قارات كتبت تاريخ الإنسانية (آسيا وإفريقيا وأوروبا)، وأنه مهبط الأديان السماوية الثلاث.

A A
أنا من جيل جرى تلقينه في المدارس، أن العالم العربي هو قلب العالم ومركز الكون، وأنه يتوسط ثلاث قارات كتبت تاريخ الإنسانية (آسيا وإفريقيا وأوروبا)، وأنه مهبط الأديان السماوية الثلاث.
كانت الخرائط كما ندرسها تؤكّد هذه المعاني، مع أن حصة الجغرافيا كانت تحتفي بنموذج للكرة الأرضيَّة يحمله معه مدرس الجغرافيا، إلى فصول الدراسة، ليشرح لنا كيف أن الأرض كروية، وليديرها حول محورها، بكف كنا نراها مسيطرة، ليرينا العالم من مختلف الزوايا.
كان ممكنًا أن نرى أي بلد فوق الكرة الأرضيَّة باعتباره مركز الأرض وقلب العالم، بمجرد تحريك نموذج الكرة الأرضيَّة بيدنا، لكن أحدًا منا لم يجرؤ في أيّ وقت، على طرح السؤال: لماذا نصر على أننا قلب العالم إذا كانت الأرض كرويَّة ومستديرة، وإذا كانت أي نقطة فوقها تصلح أن تكون مركزًا لكوكب الأرض؟! وهل قلب العالم هو حقيقة جغرافيَّة، أم مجرد وجهة نظر، أو رؤية يتمنَّاها وطن لذاته؟!.
مرت سنين وأنا وأطفالي نُردِّد كالببغاوات أننا قلب العالم، إلى أن صفعتني خارطة أعدتها شركة كورية شهيرة لإطارات السيارات، فالخارطة تقول: إن بين ضفتي الباسيفيكي، حيث تقع كوريا، يقع قلب العالم. حينها ظننت أن حالة من النرجسية ربما قادت الشركة الكوريَّة الجنوبيَّة إلى ترويج تلك الخارطة، لكن قمة دعت إليها أستراليا عام ١٩٨٩ بين الدول المشاطئة لضفتي الباسيفيكي، استطاعت بعد أعوامٍ قليلة من تأسيس ما عرف بمنظمة (إبيك) أن تضم ٥٧٪‏ من الإنتاج العالمي، و٤٧٪‏ من التجارة الدوليَّة، بعدما ضمّت إلى جانب أستراليا كلاً من أمريكا وكندا واليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وإندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاند، ثم انضمت (الصين وتايوان وهونج كونج)، ثم المكسيك وتشيلي وغينيا الجديدة، وأخيرًا في عام ١٩٩٨ انضمت روسيا وبيرو وفيتنام.
فيتنام كانت العنوان الأبرز قبل أسبوعين، مع أول زيارة لرئيس أمريكي، تنهي حقبة دموية سيطرت على علاقات البلدين، وتخللتها حرب دامت عشر سنوات، سقط فيها أكثر من مليوني فيتنامي، وسبعة وخمسين ألف جندي أمريكي.
لماذا ذهب أوباما إلى فيتنام في عامه الرئاسي الأخير؟ وما انعكاسات ذلك علينا؟.
أوباما ذهب إلى فيتنام في مسعى لإعادة رسم خارطة العالم، وفق معطيات جديدة تقول: إن حجم التجارة بين دول آسيا والباسيفيكي قد بلغ 5.3 تريليون دولار سنويًّا، وأن باطن الباسيفيكي يختزن نحو ٢١٣ مليار برميل من النفط، وأن القفزات الهائلة التي حققتها الصين، وسط موجات انحسار اقتصادي أمريكي، تدعم فرص بكين في أن تصبح الاقتصاد رقم واحد بالعالم بعد خمس سنوات فقط، وأن الباسيفيكي بناءً على تلك المعطيات، سوف يصبح هو، لا سواه، قلب العالم، ربما طوال القرن الحالي.
قلب العالم، ليست حقيقة جغرافيَّة، وإنما هي وجهة نظر، أو رؤية شعب أو إقليم لذاته، تتحقق إن امتلك الإرادة، وتتحول إلى نكتة، ما لم يمتلك أصحابها مقومات تفعيلها.
تعالوا نُفكِّر كيف سيكون حالنا خلال ما تبقَّى من هذا القرن، وما الذي يتعين علينا أن نفعله، إذا أردنا أن تتحول منطقتنا من بؤرة للصراعات الدينيَّة والطائفيَّة والمذهبيَّة، إلى بؤرة لرخاء حقيقي.
لم نعد قلب العالم، ولا مركز الكون كما يتصوّر البعض، ففوق الأرض الكرويَّة بالضرورة، تصلح أيّ نقطة لتكون مركزًا للدائرة، كل المطلوب حتى نصبح قلب الكوكب بحق، أو حتى على مقربة منه، هو الكثير جدًّا من العلم، والقليل جدًّا من الزهو.
الانتقال من هامش العالم إلى قلبه، لا تُحقّقه خرائط نضع أنفسنا في قلبها، وإنما يتحقق برحلة علم، لا يمكن أن نحرز فيها السبق، دون تحرير العقول، وإزالة معوقات التنمية، والمساواة التامة بين كافة المواطنين في الحقوق والواجبات، والتكافؤ الحقيقي للفرص، فهذا هو الزاد الحقيقي لرحلة أي وطن من هامش العالم إلى قلبه.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store