اعتادت أمريكا أن تقود العالم، واعتاد العالم على مدى أكثر من سبعين عامًا أن تقوده أمريكا، حدث ذلك حين كانت أمريكا تعرف طريقها، وحين كانت خيارات الأمريكيين في انتخابات الرئاسة والكونجرس، تكرس صورة أمة تمتلك يقينًا بشأن المستقبل، أمَّا وقد تراجع اليقين، مفسحًا مجالاً أوسع للالتباس بعد نحو ربع قرن من الاستفراد الأمريكي بقيادة العالم، فإنَّ حالة من التباس الفكر عند قمة القرار في البيت الأبيض توشك أن تصدم حلفاء أمريكا وخصومها في الوقت نفسه.
السباق الرئاسي الذي دخل طورًا جديدًا أمس الأول، بانحصار المنافسة فيه بين هيلاري كلينتون عن الحزب الديمقراطي، ودونالد ترامب عن الحزب الجمهوري، عكس تلك الحالة من الالتباس الأيديولوجي، وكشف عن ميل كامن للتغيير لدى المجتمع الأمريكي، قد يقود الولايات المتحدة مستقبلاً إلى البحث عن رئيس من خارج الحزبين الكبيرين اللذين هيمنا على الحياة السياسيَّة الأمريكيَّة لعقود ممتدة.
دلالات فوز ترامب بترشيح الحزب الجمهوري، وهيلاري كلينتون بترشيح الحزب الديمقراطي، تعكس ميلاً لدى الأمريكيين للبحث عن طريق ثالث، فترامب ليس جمهوريًّا أصيلاً، إذ تنقَّل عدَّة مرَّات على مدى عقود بين الحزبين الكبيرين، وفي إحدى المرَّات خرج على الحزبين معلنًا انضمامه إلى حزب الإصلاح لمدّة عامين فقط، عاد بعدهما إلى التقلّب الحزبي مجددًا، فأيَّد الديمقراطيين حين كان الرئيس جمهوريًّا، ثم أيَّد الجمهوريين حين كان الرئيس ديمقراطيًّا.
أمَّا هيلاري كلينتون، التي دخلت البيت الأبيض كزوجة لرئيس ديمقراطي عتيد، هو بيل كلينتون، فقد بدأت حياتها السياسيَّة قبل أكثر من نصف قرن، بالانضمام إلى حملة المرشح الرئاسي اليميني الأكثر تطرّفًا باري جولد ووتر عام ١٩٦٤، ثم في حملة رئاسيَّة لمرشح متطرِّف آخر هو مكارثي، بعدما أبدت رغبتها في التطوّع للقتال إلى جانب القوات الأمريكيَّة في حرب فيتنام، خلافًا للغالبيَّة العظمى من جيلها.
باختصار، نحن إزاء مرشَّحين للرئاسة في أمريكا، أحدهما جمهوري، لا يدين بولاء مطلق لأفكار حزبه، والثانية ديمقراطيَّة، لم تخفِ إعجابها بتيار المحافظين الجدد، ودعمها لبعض رموزه (ديك تشيني، وبول، وولفويتز)، والطبيعي أن واحدًا من بين ترامب، وهيلاري كلينتون سوف يصبح رئيسًا للولايات المتحدة لأربع سنوات مقبلة على الأقل.
تخمين السياسات المستقبليَّة للولايات المتحدة تجاه القضايا الدوليَّة، لن يكون سهلاً في متناول محلِّلين سياسيين اعتمدوا في السابق، على توقُّع سياسات الرئيس الأمريكي القادم، في ضوء انتمائه الحزبي، أو الأيديولوجي، فالعنوان الأمريكي القادم هو (اللا منتمي) حيث المرشَّح الجمهوري (جمهوري إلاَّ قليلاً)، وحيث المرشَّحة الديمقراطيَّة (ديمقراطيَّة إلاَّ قليلاً)، أمَّا العالم الذي اشترى راحته في السابق بترك مهمَّة القيادة للولايات المتحدة، فقد تغيَّر هو أيضًا ببروز أقطاب جديدة، تتطلَّع إلى المشاركة في قيادة النظام الدولي، وبصعود قوى جديدة في الولايات المتحدة تبدي حماسًا أقل لقيادة العالم، وتنشغل بالتخفف من الأعباء، أكثر من انشغالها بمقعد قيادة بدت أعباءه أعلى بكثير من مزاياه.
خوف بعض الأمريكيين من تطرُّف بعض أفكار دونالد ترامب، لا يعني أن فرص هيلاري كلينتون في الفوز باتت مضمونة، فالصف الديمقراطي منقسم حولها، نفس انقسام الجمهوريين حول ترامب، وفيما تراهن حملة كلينتون على دعم الناخبات الأمريكيَّات لأوَّل مرشحة امرأة للرئاسة، يُحذِّر محلِّلون من أن النساء لن يصوتن ككتلة لصالح كلينتون التي لا يراها بعضهن (الشابات) المرشَّح الأنسب لغالبية الشباب.
أمريكا التي اعتادت القيادة، تواجه الآن مأزق قيادة، والعالم الذي اعتاد أن تقوده أمريكا، منشغل بمحاولة التكيّف مع وضع دولي جديد، يكون موقع القيادة فيه متعدد المقاعد، أمَّا القضايا المتفجِّرة في المنطقة والعالم، فليس أمام أطرافها المباشرين سوى محاولة حلها بأنفسهم.
من ينتظرون الحل من واشنطن، سيطول انتظارهم بعدما تغيَّرت قواعد اللعبة في أمريكا وخارجها أيضًا.
رئيس أمريكا القادم.. لا جمهوري ولا ديمقراطي
تاريخ النشر: 10 يونيو 2016 00:31 KSA
اعتادت أمريكا أن تقود العالم، واعتاد العالم على مدى أكثر من سبعين عامًا أن تقوده أمريكا، حدث ذلك حين كانت أمريكا تعرف طريقها، وحين كانت خيارات الأمريكيين في انتخابات الرئاسة والكونجرس، تكرس صورة أمة ت
A A


