اعتدنا كعرب أن نسبق الأمريكيين إلى التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكيَّة كل أربعة أعوام، واعتدنا كعرب كذلك أن نندم على رهاناتنا في كلِّ مرَّة.
كنَّا دائمًا نختار بين ما نراه سيئًا، وبين ما نعتبره أسوأ، لكن الأسوأ كان دائمًا ليس أنَّنا لا نحسن اختيار مرشحنا للبيت الأبيض، ولكن أنَّنا لا نسعى لتغيير الظروف التي تجعلنا ضحايا خياراتنا الخائبة في كلِّ مرَّة.
هذه المرة، هناك مُرشَّح مُتقلِّب المزاج، أفصح عن عداء مُبكّر للمسلمين، طال حتَّى مسلمي الولايات المتحدة، الذين طالب دونالد ترامب المرشَّح الجمهوريّ بطردهم. وهناك أيضًا أوَّل مرشَّحة امرأة للرئاسة في تاريخ الولايات المتحدة،
المزاج العربي، كان سيُفضِّل مرشحًا جمهوريًّا هذه المرة، يعالج حالة النكوص الأمريكيَّة، كما يراها العرب، لكن دونالد ترامب، بميوله الانعزاليَّة، لا يبدو مفيدًا، طبقًا لتقديرات عربيَّة، افتقرت في معظم الأحيان إلى الدقة، واعتمدت في أغلب الأحيان على المشاعر بديلاً للمصالح، وعلى التمنيّات بديلاً للحسابات.
وبقانون الاضطرار، الذي حكم الانحيازات العربيَّة في انتخابات الرئاسة الأمريكيَّة، على مدى أكثر من نصف قرن، يبدو أن التصويت العربي (خارج الصناديق بالطبع) قد يتَّجه إلى المرشَّحة الديمقراطيَّة هيلاري كلينتون، لكن هذا الانحياز الاضطراري، ليس بلا ثمن، ففوز أوَّل امرأة في التاريخ الأمريكي كلّه بمنصب الرئاسة، قد يجلب بعض المتاعب، إذا ما صاحبته حملات أمريكيَّة لتمكين المرأة حول العالم، بما في ذلك مناطق في العالم العربي، لا تستطيع فيها المرأة الحصول على حقِّها الشرعي في الميراث، لأسباب اجتماعيَّة، لم تتمكَّن كل برامج التعليم العربيَّة، من تغييرها، على مدى أكثر من مئة عام.
الناخب الأمريكيّ وحده هو مَن سيضع بطاقة انتخاب في الصندوق، في نوفمبر المقبل، وهو بالطبع لن يختار من يريده العرب، أو سواهم، لكنَّه سيُصوِّت لمَن يعتقد أنَّه يُحقِّق له الرفاه، ويستجيب إلى الحد الأعلى من مطالبه، غير أنَّ هذا الناخب الأمريكي، تتأثر خياراته، وتتبدَّل انحيازاته أحيانًا، بناءً على حدث خارجي ضخم، له انعكاساته على الداخل الأمريكي بصورة مباشرة، أو غير مباشرة.
«داعش» هذه المرَّة، قد تكون صانع التحوّلات الرئيس في انتخابات الرئاسة الأمريكيَّة، ومندوبها «متين» الذي ارتكب في أورلاندو أكبر جرائم القتل في التاريخ الأمريكي كلّه، قد سبق الجميع بالتصويت لصالح دونالد ترامب، قبل خمسة أشهر من موعد الانتخابات.
جريمة أورلاندو، أعادت ترتيب الروزنامة الأمريكيَّة كلّها، لتضع الأمن على رأس قضايا حملة الانتخابات الرئاسيَّة، ما قد يعني انخراطًا أمريكيًّا جادًّا هذه المرَّة في الحرب ضد داعش، بكل ما قد يعنيه ذلك، من مراجعة للسياسة الأمريكيَّة، تجاه منطقة الشرق الأوسط، وكذلك تجاه مسرح العمليَّات المحتمل للحرب ضد داعش في سوريا، والعراق بصفة خاصَّة.
رصاصات «متين» في أورلاندو، لم تحصد فحسب رؤوس أكثر من خمسين أمريكيًّا، لكنَّها أيضًا قد تقوّض أحلام المرشَّحة الديمقراطيَّة هيلاري كلينتون، في أن تصبح أوَّل امرأة تحكم أمريكا، وتتولَّى بموجب الدستور الأمريكي منصب القائد الأعلى للقوات المسلَّحة الأمريكيَّة.
مشكلة هيلاري كلينتون، بعد جريمة أورلاندو، ليست في أن منافسها هو دونالد ترامب، ولكن في أن سياسات الرئيس «الديمقراطي» باراك أوباما، قد تكون مسؤولة بشكلٍ أو بآخر، عن حال الاستباحة التي باتت عليها أمريكا منذ توليه الرئاسة قبل أكثر من سبع سنوات.
ديون أوباما «الديمقراطي» للأمريكيين، قد تُسدِّدها المرشَّحة «الديمقراطيَّة» هيلاري كلينتون، لكن هذا لا يعني أن الطريق إلى البيت الأبيض بات ممهَّدًا أمام المرشَّح الجمهوريّ ترامب، فالرجل يثير المخاوف بأكثر ممَّا يُحرِّك الآمال، ثم إن تقلّبه الحزبي، بين الجمهوريين تارةً، وبين الديمقراطيين تارةً ثانيةً، والإصلاحيين تارة ثالثة، تجعل التزام بعض الجمهوريين بدعمه ضعيفًا.
أقول لمَن يُراهنون من الخارج على مُرشَّح بعينهِ في الانتخابات الرئاسيَّة الأمريكيَّة المقبلة، راجعوا رهاناتكم، فالفائز بمقعد الرئاسة في المكتب البيضاوي، سيعمل فقط على إرضاء ناخبيه، باعتبارهم مصدر سلطته الحقيقيَّة، راهنوا فقط على شعوبكم، فهم مصدر قوتكم الذاتيَّة، ودعمهم وحده، هو مَن يستطيع إقناع الرئيس الأمريكي القادم أيًّا كان اسمه، بأن يُفكِّر ألف مرَّة قبل أن يُلحق الضرر ببلادكم.
داعش تختار الرئيس الأمريكي القادم!
تاريخ النشر: 17 يونيو 2016 01:06 KSA
اعتدنا كعرب أن نسبق الأمريكيين إلى التصويت في انتخابات الرئاسة الأمريكيَّة كل أربعة أعوام، واعتدنا كعرب كذلك أن نندم على رهاناتنا في كلِّ مرَّة.
A A


