Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

من مليونيات الصناديق إلى مليونيات الخوازيق

انتهى قبل ساعات الاستفتاء الذي تجريه بريطانيا ليُقرِّر شعبها في ضوئه، الاستمرار في عضويَّة الاتحاد الأوروبيّ، أو الخروج النهائي منه، كان البريطانيون، أوَّل مَن تشكَّك في مشروع السوق الأوروبيَّة، ثمَّ

A A
انتهى قبل ساعات الاستفتاء الذي تجريه بريطانيا ليُقرِّر شعبها في ضوئه، الاستمرار في عضويَّة الاتحاد الأوروبيّ، أو الخروج النهائي منه، كان البريطانيون، أوَّل مَن تشكَّك في مشروع السوق الأوروبيَّة، ثمَّ عادوا إلى الاعتذار عن شكوكهم، مطالبين بالالتحاق بعضويَّة السوق، وأذكرُ -وقتها- أنَّ الزعيم التاريخي لفرنسا، شارل ديجول، أبدى ممانعةً قويَّةً لانضمام البريطانيين إلى المجموعة الأوروبيَّة، قائلاً بسخرية: «لا نريدُ طابورًا خامسًا في أوروبا»، في إشارة إلى العلاقة الخاصَّة جدًّا بين بريطانيا والولايات المتحدة، والتي قد تتيح لواشنطن فرص التدخل في الشأن الأوروبيّ، من خلال بريطانيا.
اليوم، بعد نحو أربعين عامًا على انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبيّ، ينقسم البريطانيون بشدَّة، حول الاستمرار داخل الاتحاد، أو الانسحاب مرَّةً واحدةً وإلى الأبد. وسوف تقرر نتائج الاستفتاء الذي جرى قبل ساعات، ليس فحسب مصير عضويَّة بريطانيا في الاتحاد الأوروبيّ، وإنَّما أيضًا مصير الاتحاد الأوروبيّ ذاته، الذي ترقب بعض دوله في الشمال الأوروبيّ بالذات (هولندا، والدانمرك، وتشيكيا) ما قد يسفر عنه الاستفتاء من نتائج، لتقرر بدورها إمكانيَّة اللحاق ببريطانيا خارج أوروبا.
استوقفني في هذا المشهد، جملة إشارات، تعكس مستوى النضج السياسيّ الفريد في الديمقراطيَّات الغربيَّة، حيث استطاع الناخب البريطانيّ، إقناع رئيس الحكومة ديفيد كاميرون، بالتعهد بإجراء استفتاء شعبي حول الاستمرار في عضويَّة الاتحاد الأوروبيّ من عدمه، وحيث التزم كاميرون بتعهداته، رغم دعمه الأكيد للاستمرار في الاتحاد الأوروبيّ، لم نسمع مثلاً، عن حملة اعتقالات طالت بريطانيين دافعوا عن الانسحاب من أوروبا، باعتبارهم يعرِّضون (المصالح العُليا لبريطانيا العظمى للخطر)، أو لأنَّهم (يحرِّضون المواطنين على التصويت ضد بقاء بلادهم داخل الاتحاد الأوروبيّ)، ولم نرَ مثلاً، «مواطنًا شريفًا» يرفع دعوى قضائيَّة، تطالب بإلغاء الاستفتاء، باعتبار أنَّ عضويَّة بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبيّ هي مسألة «سياديَّة» لا يجوز استفتاء المواطنين بشأنها. ولم نشهد مثلاً، تظاهرات حاشدة، يستعرض فيها كل طرف عضلاته، فيطلق عليها عبارات مثل: «مليونيَّة الاتحاد الأوروبيّ»، أو «مليونيَّة الاستقلال عن أوروبا»، كل ما شاهدناه، هو جدال سياسيّ رفيع المستوى، لم يتبادل أطرافه اتِّهامات بالخيانة، أو بالعمالة لباريس وبرلين، وشعب واثق في مؤسَّساته، وفي أدواته يتوجَّه بكل ثقة إلى صناديق اقتراع، تحظى بالمصداقيَّة، ليدلي برأيه، واثقًا في سلامة عمليَّة التصويت، والفرز، وإعلان النتائج.
بريطانيا، التي يثق شعبها في مؤسّساته، وفي صناديقه، هي صاحبة ثاني أضخم اقتصاد في أوروبا كلّها، بعد ألمانيا، وهي أيضًا صاحبة خامس أكبر اقتصاد على مستوى العالم، بعد أمريكا، والصين، واليابان، وألمانيا، أمَّا لندن العاصمة، فهي أكبر مركز مالي في العالم، يجتذب نحو سبعين بالمئة من العمليَّات الماليَّة والمصرفيَّة العالميَّة.
مصدر قوة بريطانيا، ليس ما اكتنزته من ثروات نهبتها في الحقبة الاستعماريَّة، حين كانت بريطانيا الإمبراطوريَّة التي لا تغرب عنها الشمس، وإنَّما مصدر قوّتها هو مصداقيَّة النظام السياسيّ عندها، وفعاليَّته، وقدرته على إدارة التنوُّع واستيعاب الاختلاف.
تلك المصداقيَّة، هي سر إيمان البريطانيين بنظامهم السياسيّ، وهي في الوقت نفسه، سرُّ ثقة رئيس الوزراء البريطانيّ ديفيد كاميرون، في قدرة بلاده على اجتياز الاستفتاء، وما بعده من تداعيات، دون مخاوف كبيرة بشأن المستقبل.
فارق كبير بين مليونيَّات الصناديق في بريطانيا، وبين مليونيَّات الخوازيق في بلدان ما يُسمَّى بالربيع العربيّ، الأولى ينتصرُ فيها الأقوى حجَّةً، والثانية ينتزعُ زعامتها الأعلى صوتًا، أو الأقوى سلاحًا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store