Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر

مشجب الأخطاء الاستخباراتية

بعد مرور ثلاثة عشر عامًا على الغزو الأمريكي للعراق، يقف توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، أمام حكومته وشعبه ليواجه مسؤوليَّته في خوض تلك الحرب.

A A
بعد مرور ثلاثة عشر عامًا على الغزو الأمريكي للعراق، يقف توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، أمام حكومته وشعبه ليواجه مسؤوليَّته في خوض تلك الحرب. حين أعلن السيد جون تشيلكوت رئيس لجنة التحقيق الأسبوع الماضي النتائج التي جاءت في تقريره بشأن مشاركة بريطانيا في حرب العراق، أصبح من الصعب على بلير تفادي المواجهة، فاعتذر وعبَّر عن أسفه للنتائج الكارثية للغزو.
جاء في التقرير أنَّ الأسس القانونيَّة لقرار بريطانيا المشاركة في غزو العراق عام 2003 (ليست مرضية)، وأنَّ رئيس الوزراء الأسبق توني بلير قد بالغ في الحجج التي ساقها ليبرر الانضمام إلى الولايات المتحدة «أيًّا كان الأمر»!
لكن بلير (المتأسِّف)، و(النادم) يستنكف عن تحمّل اللوم، وإن اعتذر، فإضافة إلى إصراره على أن القرار في حدِّ ذاته كان صائبًا، وأنَّه كان من الضروري التخلُّص من صدام حسين ليصبح العالم كما نراه الآن «أكثر أمانًا»، فإنَّه يتمسَّك بمشجبٍ واهٍ ليعلّق عليه قراره «الصائب»، الذي لم يأتِ من فراغٍ، فهو قد اعتمد على تقارير الاستخبارات التي ظنَّها دقيقة في حينه، إذ أوضحت -بما لا يترك مجالاً للشك- أنَّ صدام حسين يمتلك أسلحة دمار شامل، لذا وجب الغزو... حتَّى وإنْ جلب أضرارًا وكوارثَ لا تقل عن خطر الأسلحة إن وُجدت. قبل الغزو قتل الحصار الأمريكي ثلاثة ملايين طفل عراقي؛ بسبب نقص الدواء والغذاء، وخلال سنوات الغزو، وما بعدها قُتل مليونا عراقي، بالإضافة للمصابين، والجرحى، والمهاجرين، وكذلك تمَّ تدمير البنية التحتيَّة للمساكن، والمصانع، والمدارس، والجامعات، فضلاً عن آلاف المليارات التي تمَّ نهبها من أموال الشعب العراقي.
لكن تقرير تشيلكوت يكشف عن أنَّ المعلومات بشأن أسلحة الدمار كانت مغلوطة، وقُبلت دون تفنيد، رغم أنها «لم تقدم ما يقطع الشك باليقين». يحمل مشجب بلير نفس سمات المشجب الذي حمله كولين باول، وزير الخارجيَّة الأمريكيَّة الأسبق، إلى منصة الأمم المتحدة في عام 2003؛ ليشرح الأسباب الوجيهة لحرب العراق. أخرج باول للعالم وثائقه وأوراقه وخرائطه؛ ليُقنع العالم في خطاب بليغ صادَق عليه رئيس الاستخبارات الأمريكيَّة جورج تينيت، أن العراق يمتلك أسلحة مدمرة في مواقع محدَّدة، وبكميَّات هائلة. لكن باول يعود ويعترف في كتابه الصادر عام 2012 بأنَّ خطابه «سيئ السمعة» في الأمم المتحدة، كان بمثابة بقعة سوداء في تاريخه المهني الناصع، إذ إن المعلومات الواردة به، رغم تأكيد ست وكالات استخباريَّة على صحتها، كانت خاطئة، فالأسلحة ببساطة لم يكن لها وجود.
وضْع اللوم على الاستخبارات هو عذر أقبح من ذنب، وهذا ما يمكن أن نستخلصه من أحداث 11 سبتمبر، والهجوم على أمريكا بأربع طائرات في مواقع حيويَّة مختلفة. مهما كانت البراعة الإرهابيَّة، فأصابع الاتِّهام لا يمكن أن تتَّجه إلاَّ صوب المخابرات الأمريكيَّة، ووزارة الدفاع التي نامت عينها عن تخطيط هجوم من شرذمة من الشباب الثائر. لكنّه نفس المشجب الذي تعلّق عليه أكبر الدول وأعظمها أفعالها المشينة. فكذب التقارير الاستخباراتيَّة المزعوم ليس سوى ذريعة اتَّخذتها الإدارة الأمريكيَّة ستارًا تكمن خلفه الأهداف الحقيقية لغزو العراق.
يقول روبرت جارفيز في كتابه (لماذا تفشل الاستخبارات؟): أن الفشل المعلوماتي لم يكن مسؤولاً عن الغزو؛ لأن الإدارة كانت تتبع إجراءات استباقيَّة.
أمَّا مايكل فيتز جيرالد فيذهب إلى أبعد من ذلك في كتابه «العراق أم الأخطاء المعلوماتيَّة» ليكتب: إن كلمة «فشل استخباراتي» هي تمويه سياسيّ؛ لرفع اللوم عن الحكومة في حرب العراق. الحرب إذًا ليست نتيجة المعلومات الخاطئة، بل المعلومات التي تم معالجتها لتتوافق مع القرار الذي قد اتّخذ سابقًا.
contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store