دلّني على مؤسسة عربية واحدة للاستشراف ، أدلك على المستقبل العربي، قل لي أين نحن الآن، أقل لك أين سنكون غداً، أما أن تدعني هكذا، بلا حلم، ولا رؤية، ولا تبصّر بالحاضر، ولا استشراف للمستقبل، ثم تطلب مني أن أشتري غداً لا أعرفه، بحاضر لا أملكه، فهذا كثير جداً، وخطير جداً.
هذا في تصوري هو الآن حال أغلب دول منطقة الشرق الأوسط، التي ما زالت في مفازة «التفجير للتغيير» أو بلغة السيدة كوندليزا رايس» الفوضى البناءة». فلا أحد في المنطقة يستطيع أن يُزعم بثقة أنه يعرف بكل دقة مواطىء أقدامه، لا أحد مثلاً، يستطيع أن يخبرنا بمآلات الحال في العراق وفي سوريا، لا أحد يملك جواباً جازماً، بما إذا كان جيل أحفادنا يمكن أن يدرس جغرافية العراق كدولة قائمة، أو تاريخها كدولة زالت، أو أن هذا الجيل ذاته، سيتعرف على جغرافية سوريا، ومنطقة الشام كما أنتجتها صيغة سايكس بيكو، أم أنه سيفتش عن سوريا في كتب تاريخ حضارات سادت ثم بادت؟!..
أنا شخصياً، لا أزعم أنني أملك يقيناً راسخاً بشأن مستقبل اقليم، زج به نظام دولي انتقالي، انفردت بزعامته الولايات المتحدة، في أتون الفوضى، في خضم ظرف دولي بدا متخماً بغرور القوة، أو بحماقة الاستقواء، أو بكليهما معاً.
أحد معضلات المأزق الإقليمي الراهن، هو ضعف او غياب الرؤية الشاملة، أو الكلية أو الاستراتيجية، عن معظم أطرافه، فما جرى ويجري بالإقليم منذ هزيمة يونيو ١٩٦٧، ثم ثماني سنوات من الحرب العراقية الإيرانية، ثم الغزو العراقي للكويت، بكل توابعه، وحتى سقوط بغداد في قبضة احتلال أمريكي- بريطاني مباشر، ثم فورانات ما اطلق عليه الربيع العربي، كل ذلك لم يتح لأي من دول الإقليم أن تستشرفه مبكراً، وأن تتحسب له بما يناسبه من سياسات وأدوات.
كنا طول الوقت، في حالة انكفاء على اللحظة ، مطأطئي الرؤوس نرقب أصابع أقدامنا، بينما كان التخطيط الاستراتيجي يجري على قدم وساق، خارج المنطقة، أو مع أطراف محدودة جداً فيها، بشأن مستقبل تتبدل فيه الأدوار،وتتسارع الأطوار. الى أن داهمتنا التحولات المتسارعة مع تفجير ما سمي بثورات الربيع العربي.
في اللحظة الراهنة، يبدو وكأن المنطقة كلها تسدد فاتورة الانكفاء على الماضي، بينما يتأهب الكبار لاقتسام أرباح اللعبة.
تابعوا ما يجري بين تركيا وروسيا، أو بين روسيا وإسرائيل، او بين اسرائيل وشرق أفريقيا، أو بين بريطانيا والاتحاد الاوروبي، أو بين الناتو وروسيا فوق مناطق كانت قبل سنوات ضمن الفضاء السوفييتي الخالص، وعندها لن تكتشفوا فحسب أن العرب باتوا خارج اللعبة، وانما أن النظام الاقليمي العربي بات هو نفسه اللعبة.
فارق كبير جداً، بين امتلاك القوة، وبين امتلاك القدرة، وبين امتلاك الرؤية، كانت لدى الاتحاد السوفييتي السابق، قوة عسكرية لا قبل لأحد بها، وكانت لديه رؤية استراتيجية، استطاعت الصمود بوجه الغرب كله أكثر من نصف قرن، لكنه كان محدود القدرة، لعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ولهذا انهار الاتحاد السوفييتي كقصر من رمال دون طلقة رصاص واحدة.
وكانت لدى الولايات المتحدة، في لحظة دولية عابرة انفردت فيها بزعامة النظام الدولي، القوة، والقدرة معاً، لكنها افتقرت الى الرؤية، بسبب حالة عمى استراتيجي أنتجها غرور انتصار فاجأ المنتصر ، حتى قبل أن يتفاجأ به المهزوم.
المشاريع المطروحة على المنطقة في اللحظة الراهنة، أحدها إيراني، يراهن على ضعف الإقليم، بأكثر مما يراهن على قوته الذاتية، والثاني تركي راهن على قوة النموذج لدولة إسلامية ذات اقتصاد حديث ناهض، وعلى إرث إمبراطوري غير بعيد ، ربط المنطقة كلها بتركيا على مدى أربعة قرون، لكنه راح يخسر رهاناته واحداً تلو الآخر، والثالث إسرائيلي، يمتلك الرؤية( المشروع الاستعماري)، والقوة، لكنه مازال يفتقر الى القدرة على بسط رؤيته، ما قد يحمله الى مناطق المساومة مع الإقليم ، حول حصص كل طرف في المستقبل.
ما زال شريط الإعلانات الذي يتحرك أسفل شاشات فضائية عربية، يتحدث عن قدرات فذه لفك المربوط، وجلب الحبيب، وتزويج العانس، وأشقاء العزول، وتطليق الكنة، وترقيق الحماة،فيما تنقل شاشات التلفزة من بريطانيا على مدى أسبوع واحد، مشاهد لشعب يقرر في استفتاء حر، تطليق أوروبا، فينسحب رئيس حكومته ديفيد كاميرون ، بهدوء خارجاً من المشهد، بينما تنقل الفضائيات صورته حاملاً بنفسه كرتونة عفشه الشخصي من مقر إقامته برئاسة الحكومة، الى شقته الخاصة في لندن. فيما تدخل السيدة تيريزا ماي مقر الحكم.
بسبب غياب الشفافية، رغم حضور بعض أدواتها، فإنني - كمواطن- لا أعرف كثيراً عن الحاضر، ولا أعرف مطلقاً عن المستقبل، فيما أعرف من الماضي القليل من الحقائق والكثير جداً من الأساطير..
قليل جداً من الحقائق.. كثير جداً من الأساطير
تاريخ النشر: 15 يوليو 2016 02:22 KSA
دلّني على مؤسسة عربية واحدة للاستشراف ، أدلك على المستقبل العربي، قل لي أين نحن الآن، أقل لك أين سنكون غداً، أما أن تدعني هكذا، بلا حلم، ولا رؤية، ولا تبصّر بالحاضر، ولا استشراف للمستقبل، ثم تطلب مني
A A


