تطرَّقتُ في الجزء الأوَّل من هذا المقال إلى بعض الإيجابيَّات التي توردها وزارة العمل، كلَّما ذكَّرتنا باقتراب تطبيقها قرار إغلاق محلات بيع التجزئة في التاسعة مساءً، وقد دحضت الادِّعاء القائل بأنَّ علينا أن نلحق بركب الدول المتحضِّرة، وننبذ التخلُّف؛ لأنَّ العالم المتقدِّم يغلق المحلات في ساعات مختلفة، وكذلك مقولة توفير الطاقة الكهربائيَّة بإطفاء الأنوار، والمكيِّفات في المحلات، وكأنَّ الناس إذا ذهبوا إلى بيوتهم فهم لن يضيئوا أنوارهم، ولن يفتحوا مكيِّفاتهم. وتوقفتُ أيضًا عند ادِّعاء التخفيف من زحام السيَّارات، وتقليل الحركة المروريَّة، وأضيف إليها توفير البنزين، وتخفيض معدلات استهلاكه، لأسأل: لماذا ينخفض معدل الاستهلاك حين نخرج من الأسواق في التاسعة، ويرتفع حين نخرج في الحادية عشرة يا ترى؟ هل يتغيَّر مشوارنا طولاً وقصرًا تبعًا لتوقيت ركوبنا السيَّارات؟ ثمَّ متى خلت الشوارع من السيَّارات حتَّى بعد ارتفاع أسعار البنزين؟
لكي تهيّئ وزارة العمل المجتمع لتقبُّل قرارها، فإنَّها تحاول إقناعه بالإيجابيَّات التي تأتي بها على أنَّها قضيَّة مُسلَّم بها، ولا نقاش فيها، لكن حين ننظر إليها بتعمُّق يتَّضح لنا أنَّها غير صحيحة. وبدلاً من أن تطرح المشروع مبنيًا على دراسات اجتماعيَّة واقتصاديَّة موثوقة، أو تقارير علميَّة مدعومة بالأرقام، فإنَّ الوزارة تكتفي بالتلويح به من حين لآخر في الصحف، ووسائل التواصل الاجتماعي لتعوِّد الناس على الفكرة تدريجيًّا.
ويتفاعل الناسُ مع الخبر، وكلٌّ يدلو بدلوه، معارضًا، أو مؤيِّدًا، فتصل الإيجابيَّات إلى حدود بعيدة من المبالغة، كالعزف على وتر تغيير نمط الحياة الاجتماعيَّة للسعودي، وذلك بتغيير ثقافة السهر عنده؛ ليعود مبكِّرًا لبيته، أيّ في العاشرة مساءً، حيث يقضي وقتًا كافيًا مع عائلته، وينام مبكِّرًا، ويستيقظ مبكِّرًا لتزداد إنتاجيَّته في العمل. إلى هذه الدرجة لا يملك السعودي أمر نفسه، ليفعل ذلك طوعًا؟ ثمَّ أليس صحيحًا أنَّ الساعة العاشرة هي وقت النوم، واستعداد الأطفال للاستيقاظ مبكِّرًا؟ ولماذا نتخيَّل أنَّ السعوديَّ هو الذي يتسوَّق من التاسعة للحادية عشرة، وليست العائلة السعوديَّة بجميع أفرادها؟
ليس هناك تعميم يمكن أن يشمل كلَّ السعوديين في حب السهر، سواء بالخروج ليلاً، أو قضائه أمام التلفزيون، هناك أهواء خاصَّة بكلِّ فرد أو مجموعة، والحقيقة أنَّ أعدادًا كبيرةً من المجتمع السعوديّ تفضِّل النوم باكرًا، حتَّى في الإجازات، وغير منتظر من وزارة العمل أن تتدخل في نمط الحياة الخاص بالناس فتهذبهم وتؤدبهم، كما تظن أنّه الصحيح والأفضل. كما أن الادّعاء بتعديل العادات الاستهلاكيَّة للسعودي، بمعنى دفعه دفعًا لتوفير ماله بإغلاق الأسواق التي سيتهور للشراء منها ما بين التاسعة، والحادية عشرة، فهو ادّعاء مضحك. لماذا لا نحرم السعودي من هدر ماله في المطاعم والملاهي والسوبرماركت؟ وما دمنا سنزرع فيه السلوك الحسن قسرًا فلنتابع كيف يصرف أمواله هباء في الشراء من الإنترنت، وعلى بضائع الانستجرام لنضمن أنَّه قادر على التوفير؟
والسؤال أمام هذه الرسالة العظيمة لضبط سلوكيَّات المجتمع هو: هل سيعود الناس فورًا إلى منازلهم، بمجرد إغلاق محلات التجزئة في التاسعة؟ لا داعي للتفكير كثيرًا؛ لأنَّ الوزارة نفسها قد استثنت الأماكن التي سيذهب الناس إليها بعد التاسعة، فالقرار لا يشمل المطاعم، ولا المقاهي، ولا محلات المواد الغذائيَّة، ولا المراكز الترفيهيَّة، ولا مدن الملاهي التي لن تغلق حتَّى الثانية عشرة مساءً، أو الواحدة صباحًا. الاستثناءات كلّها تعلن بصراحة أنَّ الحياة مستمرة في الخارج بعد التاسعة، أمَّا في عطلة نهاية الأسبوع، وخلال الإجازات والمواسم، فستعود الوزارة لتبارك السهر، وزحام الشوارع، وزيادة استهلاك الكهرباء، والبنزين، وهدر المال، وتفكيك ترابط الأسر.
حكمة الساعة التاسعة: انضباط حياة السعوديين (2)
تاريخ النشر: 28 يوليو 2016 03:06 KSA
تطرَّقتُ في الجزء الأوَّل من هذا المقال إلى بعض الإيجابيَّات التي توردها وزارة العمل، كلَّما ذكَّرتنا باقتراب تطبيقها قرار إغلاق محلات بيع التجزئة في التاسعة مساءً، وقد دحضت الادِّعاء القائل بأنَّ علي
A A


