يطرح المفكّر السعودي محمد الصوياني في بداية كتابه (العقل العربي: المسكوت عنه واللا مفكر فيه في مقاربات العقل العربي) سؤالًا يتعلق بمفهوم العقل العربي بناء على إشكالات ما تعرّض له بعض المتعاطين مع العقل العربي في كتبهم ابتداء من المفكّر الكبير محمد عابد الجابري في كتابه (نقد العقل العربي)، مؤكّداَ أنّ جلّ الكتابات، التي تعرّضت لإشكاليّة العقل العربي متأرجحة ما بين العقلاني والغنوصي واللاعقلاني منذ ما يُسمّى بعصر النّهضة!!
وهذه السّمة - حسب تعبير الصوياني- تتميّز بما أسماه (الهروبيّة)، وفي اتّجاهها الهروبي تتّخذ منحى مدمّرًا نحو الأمام، ولو كانت رجعيّة نحو الخلف لربّما حاولت إعادة خلق نفسها، ومن ثمّ الانطلاق من جديد؛ ولكن ممارستها هروبًا نحو الأمام تجسّد نوعًا من تدمير الذّات على المستوى الفكري والتّطبيقي، إنّها بهروبها نحو الأمام تتجاهل إشكالاتها، وتقفز عليها تاركة إيّاها تتعاظم وتتضخّم من خلفها لتلتهمها تلك الإشكاليّات شيئًا فشيئًا.
فهل كان المفكر العربي مأخوذًا بتتبّع الآثار والقشور، دون الغوص في الأعماق واللباب؟!، هل كان المفكر العربي مسكونًا بملاحقة التّداعيات والشّظايا، لذلك يهدر الكثير من الوقت والورق والجهد في مطاردة تأخذ بعدًا عن قلب القضيّة وجذورها ليجد نفسه في النهاية بعيدا؟!
لعلّ إشكاليّة المفكرين العرب - كما يصفها الصوياني- تتعلّق بمفهومهم لـ(العقل العربي)، كونهم يتحدّثون عن مفهوم ضبابي غامض لا يقدرون على تحديد واضح له، ولا يدركون، تبعًا لذلك، آفاقه ومراميه؛ فـ(محمد عابد الجابري) يقول في تكوين العقل العربي: «العقل العربي الذي نعنيه هنا هو: العقل الذي تكوّن وتشكّل داخل الثقافة العربية، في نفس الوقت الذي عمل هو نفسه على إنتاجها وإعادة إنتاجها»، مبينًا هدف وإشكاليّة نتائج دراسته للعقل العربي كما يلاحظ في سياق قوله: «إنّ وجهتنا الوحيدة هي التحليل (العلمي) لـ(عقل) تشكل من خلال انتاجه لثقافة معينة، وبواسطة هذه الثقافة نفسها :الثقافة العربيّة الإسلاميّة.
وإذ كنّا قد وضعنا كلمة (العلمي) بين مزدوجين، فذلك إقرار منا منذ البداية بأنّ هذا البحث لا يمكن أن يكون علميًّا بنفس الدّرجة، التي نجدها في البحوث الرياضيّة أو الفيزيائيّة».
إنّ الجابري يقرّ حسب تلك المقولات بأن بحثه علمي؛ ولكنّه لا يرقى إلى درجة العلميّة التي تنتجها بحوث الرياضيات والفيزياء، وفي هذا السياق يقول الصوياني:» أبرز من تناولوا العقل العربي اتّزانًا عقلانيًّا يعاني من ارتباك شديد في التّوصيف والممارسة»، وهو بهذا يقصد الجابري على وجه التحديد؛ فضلاُ عمّن دونه: (أودنيس، والطرابيشي، أركون)، مستشهدا بقول الجابري في وصف العقل العربي بأنه «أداة للإنتاج النظري صنعتها ثقافة معينة لها خصوصيتها، هي الثقافة العربية بالذّات»، ثمّ يصف الثقافة بأنّها «التي تحمل معها تاريخ العرب الحضاري العام، وتعبر في ذات الوقت عن عوائق تقدمه وأسباب تخلفه الراهن».
وبحسب تلك الرؤية التي يطرحها الجابري؛ فإنّ العقل عربي، والثّقافة عربيّة، والتأريخ عربي، والواقع والطّموح عربيان.. فما الإشكاليّة التي وقع فيها الجابري وأوقع قراءه فيها؟
وللحديث تتمة بإذن الله.
«العقل العربي» في مرآة الصوياني (2)
تاريخ النشر: 02 سبتمبر 2016 02:06 KSA

يطرح المفكّر السعودي محمد الصوياني في بداية كتابه (العقل العربي: المسكوت عنه واللا مفكر فيه في مقاربات العقل العربي) سؤالًا يتعلق بمفهوم العقل العربي بناء على إشكالات ما تعرّض له بعض المتعاطين مع العق
A A


